العدد 6177
الجمعة 12 سبتمبر 2025
الثقافة.. وتسييس تجاربها (1)
الجمعة 12 سبتمبر 2025

يسألونك عن الثقافة أو الصحافة، عن التجربة ونتائجها، عن المثقفين وأحوالهم، الجواب لا يخرج عن “الله يكون في عون مثقفينا”، وأنا أقول لهم: فعلتها في نفسها براقش، نعم.. هم الذين فقدوا بوصلتهم، هم الذين اختصروا تجاربهم، وهم الذين سيّسوا هذه التجارب. دور المثقف تنويري وليس سياسيًّا، تدبيري وليس استسلاميًّا متمصلحًا أو موجهًا نحو مصلحة حزبية، أو عقيدة مذهبية، أو مواقف بعينها.
هم الذين هدموا المعبد وتخيلوا أن شمشون الجبار كان جبارًا، وأن بطولاته نياشين وليست انتحارًا، توهموا أن الخطاب السياسي يُلمع المثقفين، يفتح لهم أبواب الجنة وينقذهم من جحيم العزلة والعوز ووقف الحال. لم نقلد جان بول سارتر في منتصف القرن العشرين ولا زوجته ورفيقة دربه سيمون دي بوفوار عندما ألفا معًا مراجعهما الفلسفية... “المثقفون” لسيمون، و”الوجود والعدم” لسارتر. لم ندرك أن الموقف السياسي لسارتر وزوجته لم يكن منحازًا بالضرورة للديجولية أو “البومبيدية”، إلى الشانزلزيه باتجاه “الآرك دي تريومف” أو ميدان قوس النصر.
رغم ذلك كانت الثورة الفرنسية ثورة ثقافية في الأساس، وليست ثورة على الأوضاع الاقتصادية بالضرورة، لم تكن ثورة عقائدية منحازة للنظام الرأسمالي على حساب النظم الاشتراكية المتنوعة، ذلك أن فولتير ومولبير وجان جاك روسو وكبار الفلاسفة والمثقفين الفرنسيين وأيضًا الأوروبيين كانوا يساندون العقل الذي يخرج إلى الشاعر لكي يطالب بالتغيير، ويسعى إلى التنوير، وذلك أن الشعار الوطني لم ينفصل عن القلب المستنير أو الوجدان المدبر المحايد الأمين، وأن تسييس الواقع يزج به نحو التهلكة لأنه يصب في مصلحة فئة على حساب فئات أخرى.
ولأنه يضيف لتيار ويخصم من بقية التيارات الأخرى، بل لأنه يقدم روحه فداءً لفكرة حزبية انعزالية منعزلة، وليس لوطن وإنسان وأرض.
من هنا أصبحت فكرة المنتمي أو اللامنتمي لكولن ولسون لدى مثقفينا ليست مثلما صاغها، بل إنها كانت تابعة لحزب تحت الأرض، أو لفريق يحمل المباخر لربابينه ومشاهيره وأباطرته المقدسين. المثقفون المصريون في سبعينيات القرن الماضي اعتبروا أن المخلص على طريقة حزبيتهم الخالصة هو المثقف أو المبدع “الوطني”، وادّعوا أنه لا يمكن أن يكون الشاعر مثلاً ثوريًّا في قصائده بينما يذهب لممارسة الرجعية حتى النخاع في مواقفه السياسية.
قالوها بكل إيمان وعصبية، وروجوا لها بكل إتقان وادعاء وإخلاص لأسيادهم المقدسين، وأساتذتهم المبجلين، ورموزهم الذين أعجبوا وتبادلوا مختلف صنوف الإعجاب معهم، الكارثة أنهم اكتفوا بهذه الحالة الشعورية ليؤكدوا أن المثقف السياسي أو “المُسيس” خير ألف مرة من مبدع مثل نجيب محفوظ، أو رمز لا يتكرر كعباس محمود العقاد أو مفكر معجزة مثل الدكتور طه حسين.
أي محكوم من أية سلطة حكومية في أية دولة عربية كان في نظرهم بطلًا، وأي حر طليق مهما كان فكره يدعو للتحرر الوطني ولا ينتمي لحزب تحت الأرض، فإنه ليس مثقفًا وليس وطنيًا وليس مُخلصًا لبلاده.
هذا هو الذي دفع بمثقفينا تحت ضغط التيارات السياسية المتقلبة والمسيطرة، وربما تحت ضغط الحاجة لعمل أو نشر وتسويق لمؤلف أو لموقف، أن ينضم كثير من الأبرياء فيهم إلى تلك الجوقة السياسية، وبذلك يحصلون على “النجومية” مثلما كان المثقف “المبتدئ” يحلم بها.
المثقفون العرب وقعوا في هذا الفخ “السياسي” وشربوا ذلك المقلب العقائدي، وانصرفوا عن واقعهم الأصلي وهدفهم الأسمى في الدعوة إلى التفكير بإبداع، والتنوير بتميز، والتدبير باحترافية، وولاء يستحقه الوطن بتضحية.
يتبع.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .