“العقد شريعة المتعاقدين”، هكذا تتعامل أقسام الموارد البشرية مع “الموظفين”، وهكذا يحددون رواتبهم طالما أنها جاءت من دون توجيه، التفاوت في الحقوق والتدني فيها، والمغالاة في نظرائها، أحدثت ارتباكًا كبيرًا في منظومة العمل، أصبحت الدرجات الوظيفية وهمًا بلا قاعدة قياس، والمناصب الاستشارية ضرورة حتمية عند البعض، و”ركلة إطاحة” عند البعض الآخر، هناك من يحصل على ترقيات استثنائية، وهناك من المدراء من يناصبون العداء لبعض موظفيهم الأكفاء فيحرمونهم من العلاوات والمكافآت، التجاوزات تتغلغل في منظومة الأعمال على قدر أحجامها. لكلٍ اعتباره، ولكلٍ أسبابه، ولكن الموظف يظل دائمًا الحلقة الأضعف في المنظومة برمتها، يظل الباحث الوحيد عن الحق المهضوم، زملاؤه يحصلون على مكافآت وعلاوات بالآلاف في أماكن يُقال إنها رابحة، بينما لا يحصل البعض على أية زيادات أو علاوات أو حقوق ومن أي نوع في مؤسسات أخرى تنعم برغد العيش و”رخاوة اليد على ناس”، وقسوتها على آخرين.
في بعض المؤسسات التفرقة على أساس شخصي أصبحت على أشدها، والتفرقة على أسس غير مهنية باتت المحرك لسلالم الرواتب والترقيات والتعيينات. موظف هيئة “ما” يتقاضى راتبًا مثيرًا ويستخدم سيارة مذهلة ويرتدي ملابس فاخرة، بينما زميله في مؤسسة أخرى مثيلة لا يتقاضى إلا ما يسد الرمق، وما يكفي بالكاد لتغطية نفقات العيش الكريم.
المشكلة أنه لا قواعد حاكمة، ولا ثوابت أو قواعد يمكن القياس عليها، فالقواعد الزئبقية هي الحاكم، والأسس الرخوة هي المعتمدة غالبًا، والمزاجية الظالمة مازالت تضرب عرض الحائط بمختلف القوانين واللوائح والأعراف والأسس الإنسانية والأخلاقية.
لماذا هذه الحقوق إلى هذا الحد مهدرة؟ هل لغياب التوصيف الوظيفي أو مقومات وثوابت التقدير الحقيقي؟ هل أن من يديرون الأعمال والمؤسسات يعتقدون أنهم باقون إلى الأبد في وظائفهم بل وفي مواقعهم القيادية، ربما يتسلل إلى ضمائر البعض هذا الإحساس بالديمومة والغرور والبقاء الطاووسي الأبدي، وربما البعض ممن وضعناهم وشجعناهم على “الفرعنة”، وأطعناهم من دون مناقشة، ونفذنا أوامرهم من دون اعتراض حتى لو كانت خاطئة وضارة بطبيعة العمل داخل المؤسسة أو الهيئة أو الشركة المعنية.
قديمًا كنا نتهم الحكومات بالبيروقراطية، بالانحياز وعدم الدقة وغياب المعايير، واليوم نجد أن العدوى انتقلت من القطاع العام “القديم” إلى القطاع الخاص “الجديد”، ماذا يعني أن مدير دائرة يحصل على آلاف الدنانير في موقع عمل “خاص” وعندما يستقيل ويُعَيّن مكانه مساعده ليؤدي العمل نفسه وبكفاءة أعلى نكتشف أنه يحصل على أقل من ربع راتب الآخر المستقيل.
بطبيعة الحال، هناك حجج وشماعات بالجملة، وأسباب غير وجيهة أهمها وأخطرها أن الظروف أصبحت صعبة، وأن المؤسسة لا تربح مثلما كانت في الأيام الخوالي للمدير السابق، الكارثة أنه عند التدقيق نجد أن الظلم لا يقع إلا في تلك الدائرة، فهناك دوائر أخرى مثلاً يتقاضى المدير السابق فيها أعلى الرواتب، وهناك أداءات أقل في الكم والكيف ولكن الدنيا حظوظ والناس مقامات.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية