ليس مشيًا على الأقدام فحسب، بل هو طوافٌ على جمر الحب، ومقام تذوب فيه الأنا. أربعون يومًا مرّت على ذكرى استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وأكثر من ألف وأربعمئة عام على أكبر مذبحة على مر التاريخ، ولم يجف الدمع بعد، العهد لم يُنس، والقضية لم تُطو في دفاتر التاريخ.. والحكاية تتجدد لتروى لأجيال تلو الأخرى، مسير يربط القلب بالسماء، لينهض بالذات البشرية إلى الوهج الإلهي.
في زيارة الأربعين، لا يبحث الزائر عن أجساد دُفنت، بل عن مبادئ بقيت. لا يسأل عن تفاصيل الواقعة بقدر ما يتأمل أسبابها ونتائجها، فيخرج منها كما خرج الحسين (ع)، رافضًا الذل، حاملاً صوته في كفّ، ودماءه في كفّ أخرى. الهدف الأسمى من هذه الزيارة لا يكمن في عدد الخطوات ولا في تسجيل الأرقام القياسية لأكبر تعداد مشارك فيها، بل فيما تتركه هذه الخطوات من أثرٍ على الوجدان. فهي تربيةٌ على الصبر، ونكران الذات. مدرسة تفتح أبوابها لكل من ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فيتساوى الغني بالفقير، والمثقف بالبسيط، والطفل بالشيخ الكبير، فالكل يمشي إلى الحسين.
في الأربعين، تُكسر الحواجز فتذوب الفوارق. كل من في الطريق خادم، وكل من يقصد كربلاء زائر. والكرامة في الخدمة لا تقل عن الكرامة في الزيارة. إنها صورة مصغرة عن المجتمع المثالي الذي حلم به الحسين وسعى لبنائه، وسُفكت دماؤه ليبقى مشروعًا حيًا في الضمائر. الأربعينية، ليست تكرارًا لماضٍ انقضى، بل ولادة دائمة للوعي. ولأن الحسين لم يمت، فزيارته تعني الوقوف أمام الحقيقة، وتجديدا للبيعة مع كل مشهد دم، وكل صرخة هيهات منا الذلة. ومن لم يفهم الحسين، لن يفهم سر هذا الزحف المليوني. ومن لم يذق لوعة كربلاء، لن يشعر بعذوبة التعب في الطريق. فهذه الزيارة هي شعيرة من الشعائر، وعهد لا يُكتب بالحبر، بل يُسطر بالخطوات، ويُختم بدمعة، لتزهر بها الأرواح قبل الأبدان. في الأربعين، لا أحد يعود كما ذهب، يعودون محملين بشيءٍ لا يُرى.. شيءٍ يُغير، يُطهر، يُوقظ.
ياسمينة: مأجورين ومثابين.
*كاتبة بحرينية