العدد 6120
الخميس 17 يوليو 2025
إحياء القدرة على التفكير (1)
الخميس 17 يوليو 2025

عندما كنا صغارا علمونا بأن الاقتراب من الفكر أو التفكير أو الفلسفة أو علم الكلام خطيئة، وكانوا يصفون من يجادل أو يناقش أو يطرح السؤال بأنه (يتفلسف)، فأصبحت الفلسفة وصمة عار والتفلسف خلل في العقل والمزاج.
ورغم أننا ورثنا علم الكلام والفلسفة عن أجدادنا، فقد علمونا أنهما خوض في متاهات لا طائل من ورائها ومجادلة في الدين، حيث عقدتا مبادئه الواضحة وحولتاه إلى مهاترات بين الفرق، يصنع بهما المتكلم أو المتفلسف ما يشاء. لذا كان علم الكلام والفلسفة ولا يزالان منبوذين ليس بين الأوساط المحافظة فحسب، بل حتى في السياقات التربوية والتعليمية والجامعية في معظم بلادنا العربية، ومازال النظر إلى الفلسفة وعلم الكلام على أنهما نتاج شيطاني مشبوه يُشوّه صفاء الدين.. يستوي في ذلك رأي الغزالي في “تهافت الفلاسفة” ورأي سيد قطب في “التصّور الإسلامي”.. ففيما رفض الغزالي الفلسفة (أو منهجها ومعظم مباحثها على وجه الدقة)، معتبرا أن وظيفة علم الكلام تقتصر على الدفاع عن الدين وحراسته من ﺘﺸﻭﻴﺵ ﺃﻫل ﺍﻟﺒﺩع، ذهب سيد قطب إلى: “أننا على يقين بأن التصور الإسلامي لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ، إلا حين نلغي منه جملة كلّ ما أطلق عليه اسم الفلسفة الإسلامية وكل مباحث علم الكلام”.
إن الذين يحاربون الفكر ومنه (الفلسفة) و(علم الكلام) يكرهون طرح السؤال - مع أنه أساس الوجود الحيّ للإنسان - ويتجاهلون أن علم الكلام نشأ وتطور استجابة للتطلعات الفكرية في مرحلة النهوض الحضاري للأمة وتفاعلها مع الفكر الإنساني حينها.

في النظر إلى الحياة والحرية والوجود ودور الإنسان فيه، وأن هذه المباحث رغم طابعها المعقد قد شكلت أهم مقوّمات أفكارنا الموروثة في معظم الجوانب التي تشغل الفكر وتتصل بالحياة والموت، وأنّ صراعا فكريا كبيرا قد شقّها بين القوى المستنيرة المدافعة عن حرية الفكر وقدرة الإنسان على الخلق والإبداع والقوى المتشبثة بالجبرية والحرفية التي سعت ولا تزال إلى فرض (النقل الحرفي) كمعيار لكل أشكال السلوك الإنساني والاجتماعي، رافضة أية مرجعية ثقافية أخرى ترافق أو تتجاوز الثقافة الدينية البحتة كالفنون التشكيلية والموسيقى والفلسفة. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .