تعوّد العالم على الاتساع النسبي لسلم التصعيد في المواجهات السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية، أما اليوم فالأمر اختلف: سلم التصعيد تم اختصاره. يمكن للمواجهات أن تندلع من دون مقدمات، وهذا خطير جدًّا، لأنه يؤشر إلى إمكانية اندلاع الحروب بسرعة ووحشية مدمرة، وربما خلال ساعات أو دقائق ومن دون أية مقدمات. قد تبدأ الأمور بمجرد تغريدة لننتهي بحرب وخراب شاملين، وقد يسبق ذلك تحرك القاذفات الاستراتيجية والصواريخ.. هكذا أصبحت الأمور بكل بساطة.
القانون الدولي باعتباره مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية انتهى تقريبًا. الأمم المتحدة باعتبارها منظمة دولية تضم 193 دولة عضوًا وتسترشد في عملها بميثاق سياسي قانوني وأخلاقي وباعتبارها المكان الجامع للحوار من أجل السلام والاستقرار، انتهت عمليًّا، ولم يبق منها سوى مجرد جهاز بيروقراطي ثقيل وغير فاعل، وربما تحولت إلى مجرد فضاء للثرثرة والتعبير عن المشاعر والمواقف، وحلت محلها التهديدات التي تسبق تحرك القاذفات والصواريخ العابرة للقارات، إنه عالم جديد تماما من دون سلم تدرج.
وحتى الدبلوماسية بكل أشكالها وباعتبارها مرادفة للباقة والكياسة التي تتحلى بها الدول في علاقاتها الخارجية انتهت تقريبًا أو تراجعت، وحلت محلها التصريحات والتهديدات التي تعقبها الضربات. وتراجعت اللغة الدبلوماسية التي اعتاد عليها العالم منذ عهد قراقوش وتيمور لنك، ومنذ عهود اليونان والرومان، وحلت محلها لغة القصف والقتل والإبادة والاحتلال والغزو.
العالم الذي تخيله رجل القانون الأميركي توماس جيفرسون على طريقة اليونان القديمة بات يختلف عن العالم اليوم، فحيث أراد جيفرسون خلق أمة مسالمة متميزة عن أوروبا التي كانت حينها “غارقة في الحروب”، قامت أمة محاربة في منافسة مستعرة مع نفسها ومع سكانها الأصليين ومع العالم. أما النموذج الذي حلم به جفرسون، فإنه قد يكون ألهم بعض الشيء البناء الأوروبي أكثر مما أثّر في الولايات المتحدة الأميركية.
وحتى أوروبا الموحدة باتحادها والتي بنت مشروعها على دبلوماسية (السلام والوحدة والازدهار والتعاون والحرية)، تتحرك اليوم بدبلوماسية لا تخلو من الخبث والنفاق، دبلوماسية العقوبات والحملات الدعائية، باستخدام “دبلوماسية التفكيك”، لخلق انقسامات داخلية ودفع الدول إلى التنازل والاستسلام أو مواجهة الانهيار. والأمثلة على ذلك قائمة ومشاهدة بالعيان.
كاتب وإعلامي بحريني