سألني الصديق: ما جدوى الكتابة مادام لا أحد يقرأ تقريبًا؟ قلت: لحظة الكتابة هي لحظة استرجاع وافتكاك وتهريب إلى الخارج لما تستبطنه الذات، من حقيقة ما تشعر به أو حقيقة ما تراه، فتصبح الكتابة في هذه الحالة نوعًا من التحايل على الذات، أي حالة مخاتلة، وعندما نكتب نحن نحاول استعادة جراحات ومدارات وتهويمات ومطارحات وذكريات، أما القراءة فهي فعل يمتهن التأويل الذي يولد من بؤرة الفهم، والفهم مطابقة خيال القارئ لخيال الكاتب، وهذه المطابقة تقود إلى ميثاق عميق بين الكاتب والقارئ.
القراءة – يا صديقي - قد تكون من اليمين إلى اليسار، من فوق إلى تحت، من اليسار إلى اليمين، من الداخل إلى الخارج، ومن القريب إلى الغريب، من السطح إلى العمق، من المتآلف إلى المتغاير، من الشفاف إلى الكثيف، قراءة الاتجاهات المتعاكسة، قراءة الانكسارات والبؤر ومختلف أشكال الذهول التي تشكل هستيريا الخرائط المكتوبة، لأننا نكتب كما يقول دولوز “لنرسم مسالك للهرب ونقيم حيث لا توجد ذاكرة”، ولأننا نكتب وفقًا لرحلة قادمة لم تكتس لغة بعد، فما أصعب الكتابة.
إن إشكالية القراءة والكتابة على اتصال بالمؤسسات أيضًا، فإن تفكر بالخطاب يعني أن تكون إزاء التقاطع بين الذات والمؤسسة وبين المؤسسة والخطاب وبين الخطاب والسلطة، فالتفكير ليس سوى مشروعية القراءة والكتابة والخطاب، لذلك إذا انعدمت الكتابة والقراءة انعدم الفكر.
قال الصديق: ولكن ما جدوى البحث في تفاهة الكلمات عن معنى قد يكون في الختام تافهًا؟
قلت: هي الأمور كما هي دائمًا، فالمقال يتعيّن عليك أحيانًا أن تكتبه بلغة عربية إسلامية كي تنجو بنفسك.. والأفكار التي لا تحمل فكرًا هي التي تمر دون دفع الرسوم الجمركية، والمجلات وصفحات الإعلان تمحو الشعر وتجعله في آخر الطابور. النقاد الذين ينزعجون من النقد والمقالات التي لا فرق بين أن تقرأها أو ألا تقرأها.. جميعها وجوه من مأساة القراءة والكتابة، وهي مأساة وجود أولا وآخرا، بعد أن سادت - تزامنًا مع استشراء موجة الاستهلاك وسلسلة الهزائم - حالة انحطاط عام في الكتابة والقراءة والذوق الثقافي والفني، تزامنًا مع تراجع الجهد الثقافي الجماعي مع استشراء النزعات “الفردية” والانتصار للأنانية والانحيازات للذات باعتبارها طوق النجاة الوحيد المتبقي كأفق للمبدعين الذين يتراكضون وراء خلاصهم الفردي.
كاتب وإعلامي بحريني