العدد 6117
الإثنين 14 يوليو 2025
لا بديل للأب
الإثنين 14 يوليو 2025

لا بديل للأب، لا عم، ولا خال، ولا ابن عم، ولا حتى الأخ؛ فقالب الأب واحد، ولا توجد نسخة منه، يكسر تلقائيًا بعد وفاته. قالب صاحبه هو الشخص الوحيد الذي يتمنى طوال فترة حياته أن يكون الابن أفضل منه في كل شيء وأي شيء.
قالب لا يجامل ولا ينتظر أن تطلب منه النصيحة. ولأنه هو الأب، فهو يمتلك حاسة ربانية عجيبة تجعله يعي جيدًا طينة كل ابن من أبنائه، وما يحتاجه هذا من ذاك، من تربية، وتغيير، ومناصحة، أو حتى ضرب على “القفى” كما يقول إخواننا المصريون.
نظرية أن الأب لا بديل له، لا يصل إليها الكثيرون للأسف إلا بعد وفاته، حين يتصادمون (لوحدهم) مع الأزمات، ومع الشخوص النكرة في الحياة، من أبناء العاقين، وزملاء عمل حاقدين، وأقارب ناكرين للمعروف. هذه الخلطة المعقدة جدًا تتطلب تمييزًا، وحكمة، وصبرًا، ونفسًا طويلًا، وهدوءًا في اتخاذ القرارات، وتتطلب أيضًا أبًا يناصح ويوجه ويفرمل ابنه حين يتطلب الأمر ذلك.
وكنت أخيرًا، يوم الجمعة تحديدًا، قد زرت قبر والدي بمقبرة الحنينية. تأملت لوهلة كومة التراب التي تعلو القبر، واستذكرت بألم قيمة الرجل المدفون أسفلها، واستذكرت حكمته وصدقه معي، ونصائحه التي كنت أراها يومًا ما حادة ومسنونة ومؤلمة، لكن الحياة أثبتت لي فيما بعد أنها أقل حدة بكثير من حراب من قابلتهم، ومن وجع المواقف التي طحنت عظامي.
الأب هو كنز عظيم، وهو هبة ربانية، وجدار صد منيع، ومدرسة في الحكمة والكلمة الخيرة. والواجب اليوم وكل يوم اغتنام فرصة وجوده، والاستئناس برأيه في أي شيء وكل شيء؛ لأنه ببساطة من القلة القليلة في الحياة الذي لن يكذب عليكم. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .