العدد 6115
السبت 12 يوليو 2025
النظام العالمي الجديد.. عالم ترامب الجديد (1 من 2)
السبت 12 يوليو 2025

يتحدث البعض وتحديدا في العالم الثالث ولربما بعض الكتاب في الغرب، عن بروز أو بداية بروز نظام عالمي جديد، يقوم على التعددية القطبية، تفقد فيه الولايات المتحدة الأمريكية جزءا من هيمنتها على العالم بفعل وهن قوتها الاقتصادية وبدرجة أقل قوتها العسكرية، وهو حديث، كما أعتقد، أقرب إلى التمنيات منه إلى تغيرات حقيقية على الواقع. ونحن لا ننكر هنا حقيقة أن هناك قوى جديدة ناهضة كالصين وروسيا والهند، إلا أنها لا تجاري مجتمعة القوة العسكرية الأمريكية رغم كونها قوى نووية، ورغم كونها قوى اقتصادية ناهضة. فلازالت الولايات المتحدة الأمريكية تمثل القوة الأعظم التي تتحكم في مفاصل العالم، قد تخف هنا وتزداد هناك إلا أنها ستبقى القوة الأكبر والمؤثرة لعقود قادمة. فستبقى الولايات المتحدة تمثل الدولة الأقوى بفعل قوتها العسكرية الضاربة من حيث عدد قواتها وترسانتها العسكرية الكبيرة والمتطورة، ومن حيث انتشار قواعدها العسكرية حول العالم، حيث يبلغ حجم إنفاقها العسكري السنوي حوالي 916 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 37 % من حجم الإنفاق العسكري العالمي.

كما أن حجم قواتها يقترب أو يزيد على ثلاثة ملايين عسكري. وهي تمتلك حوالي ستة آلاف طائرة حربية أو أكثر، ولديها حوالي 170 قمرا صناعيا يخدم مؤسساتها العسكرية، والعلمية، والفضائية، وغيرها. كما أن اقتصادها يمثل الاقتصاد الأكبر في العالم، فحجم الناتج الإجمالي المحلي يقارب ثمانية وعشرين تريليون دولار في العام 2024، مقارنة بحوالي ثمانية عشر تريليونا في الصين، وسبعة عشر تريليونا في اليابان، وأربعة تريليونات ونصف في ألمانيا.

فهي في ذلك لازالت القوة التي تُهاب، إلا أنها هيبة قد تكسرها أحيانا غطرسة القوة أو انفلاتها، وهي انكسارات قادت إلى انسحاب هذه القوة في حالات مثل فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها، أو القناعات القديمة - الجديدة لدى يمينها السياسي المهيمن على الإدارة الأمريكية، الداعية للابتعاد عن مشكلات العالم، أو اعتقاد بعض قادتها أو دولتهم العميقة بأن القوة والقوة وحدها القادرة على حل كل شيء وكسر كل منافس أو معارض. وهي قوة تجبر الطرف المعادي أو المنافس إما للرضوخ والاستسلام أو الوصول إلى حلول تكون الولايات المتحدة هي الكاسب فيها. وككل قوة عسكرية كبرى لن تكون قادرة على كبح أو ردع كل منافس أو معارض في كل الأحوال، كدول أو جماعات غير حكومية.

وتمثل الولايات المتحدة حالة فريدة من حيث قوتها العسكرية والاقتصادية وإنجازاتها العلمية والتكنولوجية لم يشهد التاريخ لها مثيلا، وهي وبفعل عناصر القوة التي تمتلكها، ومحاولة إضعاف المنافسين والخصوم والمناكفين، ستبقى الدولة المهيمنة والمؤثرة في العالم لعقود قادمة. وهي الدولة الأقوى القادرة على تقديم الحماية للكثير من الدول ذات الأهمية الاقتصادية والسياسية لها كالخليج وتايوان وسنغافورة، وغيرها، وهو دعم قد يعتبر أحد دعائم التوازن في العلاقات بين الدول. ولا يوجد هناك دولة جديدة صاعدة يمكن أن تقوم بدورها أو أن تحل مكانها. من هنا فإن الحديث عن نظام عالمي جديد يتشكل وأفول للقوة الأمريكية وحتى القول بعالم متعدد الأقطاب، كما أشرنا سابقا، يبقى حديثا محدودا في دقة مقاربته للواقع وفي رصده لتحولاته على مستوى العالم، بل قد نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول إن الحديث حول عالم متعدد الأقطاب يبقى هو الآخر قولا معلولا؛ فقد يكون هناك دول مؤثرة على الصعيد العالمي من حيث الاقتصاد والسياسة كروسيا والصين وأوروبا، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى لبعض الوقت القوة الأكثر تأثيرا والأضخم من حيث عتادها العسكري في العالم. 

من الناحية الأخرى، فإن الفوضى التي خلقها يمين الحزب الجمهوري في إدارته للدولة على مستوى الداخل وفي السياسات والإجراءات والأفعال المتعلقة بالخارج، تمثل تعبيرا عن دخول الدولة في حالة من الفوضى وليست مرحلة جديدة. وهي حالة لا تعني أبدا الأفول في القوة بقدر ما هي نتيجة لطبيعة الإدارة السياسية الجديدة التي وصلت للحكم، والتي توظف عناصر قوتها الغاشمة مع الضعفاء في العالم أو التحدي والمناكفة مع الأصدقاء للحصول على سعر أو وضع أفضل ومريح لها، كما يحدث مع أوربا واليابان وبعض الدول الأوروبية والآسيوية والعربية، أو التهديد باستخدام قوتها الغاشمة أو فرض عقوبات أشد مع الدول المناهضة والمعارضة لها، كما يحدث مع الصين وروسيا وإيران وربما كوريا الشمالية، وربما عدم الاكتراث بالدول الأفقر في إفريقيا أو غيرها، وهي لتحقيق ذلك ستوظف كل الممكن واللاممكن من عناصر القوة. وهي لذلك على استعداد للخروج عن الأطر القانونية والدستورية والأخلاقية الضابطة لسلوك الدول في علاقاتها الدولية، كما هي في إدارتها لقضايا الهجرة واستقلالية الجامعات وتأثير الطلبة الأجانب فيها، أو في تدخلها في سير القضاء في الدول الأخرى والصديقة كما هو في حالة تدخل الرئيس ترامب مطالبا بإلغاء الحكم الصادر بحق زعيمة الحزب اليميني الفرنسي ماري لوبان، وكذلك مطالبته للرئيس الإسرائيلي بإلغاء تهم الفساد الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وإلغاء محاكمته، وهو تدخل لربما لم تتجاسر الإدارات الأمريكية السابقة على فعله أو طرحه على الأقل في العلن.

والرئيس الأمريكي لا يمثل حالة متفردة في إطار يمين الحزب الجمهوري، فإن بعض أطروحاته القائلة “بأمريكا أولا” أو “أمريكا العظيمة” تمتد في ذلك لعقود سابقة، أي أنها ترجع تحديدا إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وهي لذلك تمثل أطروحات قديمة جديدة للتعبئة الجماهيرية.

وأعتقد أن تصريحاته الأولى التي جاء بها للحكم مثل رغبته في السيطرة على “القرين لاند” أو قناة بنما أو رغبته في السيطرة على غزة وتحويلها إلى “ريفيرا الشرق” أو سحق غزة وإيران واليمن، هي كلها قد لا تكون قابلة للتحقق، وإنما هي بالونات اختبار لردود أفعال المعنيين بالأمر، وهي في واقعها تعكس هذا الشعور بالقدرة على توظيف القوة اللامتناهية مقابل الآخرين. ومع ذلك فإن النزوع نحو توظيف القوة يبقى خيارا قائما للتطبيق كما هو في حالة الهجوم على المفاعلات النووية الإيرانية، وإن كان يعتبر ذلك سابقة في العلاقات الدولية. وهو فعل لازالت مصاحباته ولربما ارتداداته مجهولة لكلا الطرفين، فليس كل ما يحلم به الطرف الأقوى قابل للتحقق في كل الأحوال، وإن تحقق فإن القدرة على ضبط مصاحباته قد لا تكون مطلقة، فالحرب ضد إيران قد تدفعها نحو سياسة الانكماش على الداخل أو إلى تبني سياسات نووية أكثر غموضا من السابق وأن تنسج علاقات أوسع وأقوى مع قطبي الشرق روسيا والصين، وكوريا الشمالية. وهو فعل كان من الممكن أن يأتي بمصاحبات هائلة وكبيرة على منطقة الخليج لولا سياسة الاحتواء والتهدئة التي تبنتها دول المنطقة. وتبقى الحقيقة هي أنه عندما يتجاسر خصمك على التحدي الفعلي لقوتك في الردع فإن اللعبة كلها تكون قابلة للتغير، فهناك دائما حدود للقوة لا يدركها صاحبها إلا عند فشلها في كسر الخصم، وهنا قد يكون الزمن أسبق في أحداث تحولاته من أن تسبِقَهُ.

وتبقى الحقيقة على مستوى الإقليم والعالم أننا نمر بمرحلة تحول مهم، قد تضمر قوى البعض وتبرز قوى البعض الآخر من الدول، وقد لا نجد تأثيرا مهما لبعض القوى الأوربية مقابل بعضها الآخر، إلا أن القوة الأمريكية ستبقى القوة المهيمنة لعقود قادمة، كما أن هذه التحولات ستقود أو أنها قد قادت لبروز القوة المؤثرة لدول الخليج مقابل دول المركز العربي بفعل معطيات جديدة جاءت عليها المنطقة العربية، كما هي تلك التحولات التي جاءت على هذه الدول في الداخل.

* كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية