من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها المؤسسات الحديثة أنها تعاملت مع الإنسان بوصفه بندا في كشوف الرواتب، أو رقما في وثيقة تأمين صحي، بينما تجاهلت حقيقة أكثر عمقا، وهي أن رأس المال البشري يمثل الأصل الإنتاجي الأكثر قيمة داخل أي مؤسسة، وأن كفاءة هذا الأصل لا تقل أهمية عن كفاءة خطوط الإنتاج أو البنية التحتية أو رأس المال.
لقد نجحت شركات التأمين الصحي، عبر عقود طويلة، في توفير آلية فعالة لإدارة المخاطر الصحية، وأسهمت في توسيع الوصول إلى الخدمات الطبية في كثير من البيئات. إلا أن السؤال الاستراتيجي الذي تطرحه نظرية الكفاءة المؤسسية لا يتعلق بجدوى التأمين في ذاته، بل بمدى كفاءة النموذج الذي تعتمد عليه المؤسسات الكبرى في إدارة صحة موظفيها عندما تمتلك الحجم والإمكانات التي قد تجعل نماذج أخرى أكثر فاعلية.
فهل تظل المؤسسة تشتري الخدمة عاما بعد عام، أم أن مرحلة من مراحل نموها تستدعي الانتقال إلى بناء قدرة صحية مؤسسية خاصة بها؟
إن مفهوم الكفاءة المؤسسية ينطلق من مبدأ بسيط، لكنه بالغ الأثر، وهو أن كل إنفاق تشغيلي متكرر ينبغي مراجعته دوريا لمعرفة ما إذا كان من الأفضل الاستمرار في شرائه، أم تحويله إلى أصل مؤسسي منتج، متى أثبتت دراسات الجدوى أن ذلك أكثر كفاءة واستدامة.
وانطلاقا من هذا المبدأ، يصبح السؤال الحقيقي هو: متى يكون إنشاء منظومة صحية مؤسسية، أو الاشتراك فيها مع مؤسسات أخرى، خيارا أكثر كفاءة من الاكتفاء بشراء وثائق التأمين؟.
لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع. فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة قد تجد أن التأمين التجاري هو الخيار الأكثر ملاءمة، في الوقت الذي تجد فيه المؤسسات الكبرى، أو المجموعات الاقتصادية الضخمة، أو المدن الصناعية، ما يبرر دراسة إنشاء منظومة صحية مشتركة تضم العيادات، والمختبرات، والتصوير الطبي، والطب المهني، والصحة النفسية، وبرامج الوقاية، والفحوص الدورية، ضمن إطار إداري ومالي يخضع لمعايير الحوكمة والكفاءة.
هذا النموذج لا يقتصر الهدف فيه على خفض التكلفة، بل يمتد إلى بناء بيئة عمل أكثر صحة وإنتاجية، وتحسين جودة الخدمة، وتقليل زمن الانتظار، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر، وربط البيانات الصحية المهنية بمؤشرات الأداء المؤسسي، مع الالتزام الكامل بحماية خصوصية الموظفين والامتثال للتشريعات المنظمة للبيانات الصحية.
ما نود أن نقوله هو أن الإنسان، في فلسفة الكفاءة الاستراتيجية، لا يُنظر إليه بوصفه مستهلكا للخدمة الصحية، وإنما بوصفه أصلا منتجا، وكل تراجع في صحته أو كفاءته أو دافعيته ينعكس مباشرة على إنتاجية المؤسسة، ثم على الاقتصاد في مراحله اللاحقة.
ومن هنا، فإن الرعاية الصحية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بندا من بنود المسؤولية الاجتماعية، بل استثمارا في القدرة الإنتاجية، وفي استدامة رأس المال البشري، وفي المرونة المؤسسية التي تحتاجها الاقتصادات الحديثة لمواجهة الأزمات والتحولات.
ولا يقتصر الأثر الاستراتيجي لهذا النموذج على المؤسسة وحدها، بل يمتد إلى المنظومة العامة. فكلما تولت المؤسسات الكبرى، منفردة أو من خلال شراكات قطاعية، مسؤولية توفير خدمات صحية عالية الجودة للعاملين لديها ضمن أطر تنظيمية ورقابية واضحة، ازدادت القدرة على توجيه الموارد العامة نحو الفئات التي تحتاج إليها بصورة أكبر، مثل المتقاعدين، والأطفال، والباحثين عن عمل، والأفراد غير المشمولين بأية تغطية صحية مرتبطة بعقود العمل. وبهذا تتحول الموازنة من تمويل شامل لا يميز بين الفئات إلى تمويل أكثر تركيزا وعدالة وكفاءة، دون المساس بحق الأفراد في الحصول على خدمات صحية لائقة.
وتمثل هذه الرؤية أحد التطبيقات العملية لمفهوم الإدارة الاستراتيجية، التي لا تقوم على انسحاب الجهات التنظيمية من مسؤولياتها، وإنما على إعادة تعريف أدوارها؛ فتنتقل من دور المشغل المباشر لكل خدمة إلى دور المنظم، والضامن، والمراقب للجودة، وصانع السياسات. وبهذا تتراجع ظاهرة مركزية الأمومة المؤسسية التي تتحمل فيها الجهة المركزية جميع الأعباء التشغيلية، لتحل محلها شراكة مؤسسية أكثر مرونة وكفاءة، تتيح التركيز على التخطيط الاستراتيجي، والرقابة، وضمان العدالة في وصول الخدمات بجودتها وكفاءتها لكل مستحقيها.
وإذا أثبت هذا النموذج جدواه في القطاع الصحي، فإن فلسفته يمكن أن تمتد إلى قطاعات أخرى، وفي مقدمتها التعليم، والتدريب، والبحث العلمي، وبعض الخدمات العامة، بحيث تتحول الخصخصة الاستراتيجية من مجرد نقل مسؤولية التشغيل إلى القطاع الخاص، إلى شراكة إنتاجية ترفع جودة الخدمة، وتحافظ على حقوق المستفيدين، وتعزز المنافسة والابتكار، مع بقاء المرجعيات العليا حارسة للمصلحة العامة. وعندها لا يكون الهدف تقليص الأدوار، بل تمكين المؤسسات من أداء وظائفها الأساسية بكفاءة أعلى، ورفع مؤشرات الجودة إلى مستويات عالمية.
وتفتح هذه الرؤية الباب أمام مفهوم جديد يمكن أن نسميه الصحة العصبية المؤسسية، وهي منظومة لا تنتظر المرض حتى تتحرك، بل تعتمد على الاستشعار المبكر، والتحليل التنبؤي، والوقاية، وتحسين بيئة العمل، وربط القرار الصحي بالقرار الإداري الاستراتيجي، ما يضمن استدامة الأداء قبل معالجة نتائجه.
هذه ليست دعوة لإلغاء التأمين الصحي، ولا استبداله بنموذج واحد يصلح لكل المؤسسات، بل دعوة إلى إعادة تقييم الخيارات المتاحة بعقلية استراتيجية، والتمييز بين الحالات التي يكون فيها شراء الخدمة هو الخيار الأمثل، والحالات التي يصبح فيها بناء القدرة المؤسسية أكثر كفاءة على المدى الطويل.
وهنا يتجاوز هذا النموذج حدود القطاع الصحي ليقدم مبدأ إداريا عاما: المؤسسات لا تبني قوتها بما تشتريه باستمرار، وإنما بما تنجح في تحويله إلى أصول استراتيجية تولد قيمة مستدامة عندما يكون ذلك مجديا.
وبهذه الرؤية، يصبح رأس المال البشري أكثر من موظف يحمل بطاقة تأمين، وأكثر من رقم في كشف الرواتب. إنه أصل سيادي تتحدد بسلامته وكفاءته وابتكاره قدرة المؤسسة على المنافسة، وقدرة الاقتصاد على النمو.
وهنا تظهر الفكرة الجوهرية لهذه النظرية؛ فهي لا تنقل المسؤولية من جهة لأخرى، بل تنقل التشغيل إلى المجتمع، وتُبقي التنظيم والسيادة في الإطار الصحيح؛ فكلما تحررت الإدارة العليا من إدارة التفاصيل، ازدادت قدرتها على أداء وظيفتها السيادية العليا: التخطيط، والتشريع، والرقابة، وحماية العدالة، واستشراف المستقبل.
كاتب بحريني