العدد 6490
الأربعاء 22 يوليو 2026
ما لا تفهمه الخوارزميات من السلوك الإنساني
الأربعاء 22 يوليو 2026

في كثير من القرارات التي تُبنى اليوم على الذكاء الاصطناعي والتحليل الخوارزمي، لا تكون المشكلة في نقص البيانات أو ضعف التقنيات، بل في الاعتماد المفرط على ما ينتجه التحليل بوصفه صورة دقيقة للواقع، وغالباً ما يُتعامل معه على أنه صحيح ولا يقبل الخطأ. فالخوارزميات لا ترى السلوك الإنساني كما هو، ولا تشعر بما يشعر به الإنسان، إنما تستنتج أنماطا واحتمالات قد تصيب في بعض الأحيان وقد تخطئ في أحيان أخرى. وهنا تظهر “ضريبة التحليل”، وهي الكلفة غير المرئية الناتجة عن بناء قرارات على تحليل احتمالي خوارزمي قد لا يعكس السلوك الإنساني أو شعوره الحقيقي. هذه الكلفة لا تظهر فورا، لكنها تتراكم مع الوقت، وتنعكس على قرارات تبدو منطقية في التقارير أو الاستشارات أو عمليات التوجيه، لكنها لا تحقق بالضرورة النتائج المرجوّة على أرض الواقع.
المشكلة أن التحليل الخوارزمي لا يتعامل مع الإنسان بوصفه كائناً يعيش ضمن مجموعة ظروف متداخلة في وقت واحد، بل بوصفه مجموعة إشارات متفرقة. نقرة هنا، اختيار هناك، مدة تفاعل، أو تكرار سلوك ظاهري، تتحول كلها من نبضات إنسانية متفرقة إلى مؤشرات يُبنى عليها استنتاج عام. وهنا تتسع الفجوة بين ما تقرأه الخوارزميات وما يعيشه الإنسان فعلياً، فتبدو بعض القرارات منطقية نظرياً، لكنها غير منسجمة مع الواقع الإنساني. كما يحدث أحيانا حين يُوصَف سلوك مجموعة كاملة بناءً على تفاعل رقمي محدود، يُقرأ خارج سياقه الإنساني، بينما دوافعهم الحقيقية تختلف تماماً عمّا تعكسه المخرجات على شاشة الجهاز.  

وعطفاً على ما تقدّم، لا تبقى هذه الفجوة حبيسة التحليل، بل تنتقل إلى مستوى الممارسة، سواء في القرارات أو الاستشارات أو عمليات التوجيه، لتبدأ آثارها بالظهور بشكل عملي داخل المؤسسات والمجتمعات. وعند ترجمة هذه القراءات إلى مسار عملي واضح، فإن التوجّه الذي يبدو متماسكا ظاهريا من حيث المنطق والسياسات المعتمدة، قد يقود عملياً، بعد حين، إلى تراجع في الكفاءة وهدر الجهد والوقت قبل الموارد، إذا كان قائما على قراءة تحليلية مُولَّدة خوارزمياً لا تعكس بطبيعتها شعور المستخدم ولا فهمه لسلوكه في لحظة التفاعل مع المعلومة. كما تظهر هذه الفجوة أيضاً في ممارسات تُصاغ أو تُدار بطريقة لا تنسجم مع إيقاع العمل الفعلي، ليس بوصفها خللاً في التنظيم ذاته، بل نتيجة لاعتماد قراءة ناقصة للسلوك والظروف. أما نفسياً، فتظهر آثار هذه الفجوة داخل بيئة العمل في صورة ضغط وشعور بعدم العدالة وفقدان للثقة، ليس لأن البيئة بحد ذاتها مشكلة، بل لأن ما يُدار داخلها يعتمد على قراءات خوارزمية لا تملك القدرة على استيعاب السلوك الإنساني أو مشاعره، وتتعامل معه عبر مؤشرات مجرّدة فقط. هنا تتحول الفجوة التحليلية من فكرة نظرية إلى أثر ملموس، وتبدأ “ضريبة التحليل” في الظهور دون أن تُسجَّل رسمياً في أي تقرير أو استشارة أو توجيه.
وتزداد خطورة هذا النوع من التحليل لأنه لا يُقدَّم بوصفه رأيا، بل بوصفه قراءة منطقية مكتملة. فمخرجات اللغة المستخدمة تكون مرتّبة، والنتائج متسلسلة، والاستنتاجات متسقة ظاهرياً، ما يمنح المتلقي إحساساً بالاطمئنان والثقة. هذا الإحساس لا ينشأ من فهم أعمق للسلوك الإنساني، بل من شكل العرض ذاته، ومن قدرة النماذج التحليلية على اختزال الواقع في أنماط سهلة القراءة. ومع تكرار هذا الأسلوب، يتحوّل الاتساق الشكلي إلى معيار للحقيقة، ويُتعامل مع ما يبدو معقولاً على الورق باعتباره صحيحاً في الواقع، دون التوقف الكافي عند ما غاب عن هذا النوع من التحليل، غير المبني أصلاً على سياق إنساني وسلوكي.
وعندما تُعتمد هذه القراءات الخوارزمية بوصفها أساساً للقرار، لا يبقى أثرها محصوراً في توصية أو توجيه بعينه، بل يمتد تدريجياً إلى طريقة صياغة السياسات، وتحديد الأولويات، وتقييم السلوك والأداء. في هذه المرحلة، لا يبدو الخلل واضحاً، لأن القرار نفسه يكون منطقياً في شكله ومتسقاً مع المعطيات المتاحة. غير أن اتساع نطاق الاعتماد على هذا النوع من التحليل يحوّل هذا القصور من مسألة فردية إلى نمط مؤسسي. فيعاد إنتاج القرارات بالمنطق ذاته، وتُكرَّس اختيارات لا تعبّر بالضرورة عن الواقع الاجتماعي أو الإنساني الذي يُفترض أن تخدمه. ولا يتوقف هذا الأثر عند مستوى القرار أو المؤسسة، بل يمتد تدريجياً إلى الإنسان نفسه، إذ يؤدي الاعتماد المتزايد على النماذج التحليلية الجاهزة إلى تراجع دوره في التحليل النقدي وقراءة المعطيات وتفسير المؤشرات. ومع الوقت، يتحوّل هذا الاعتماد من أداة مساندة إلى بديل ذهني، فتضعف ممارسة التفكير التحليلي المستقل، ويُعاد إنتاج القرار من خلال النماذج ذاتها دون مساءلة كافية. ومع تراكم هذه الممارسات، لا يصبح السؤال لماذا لم تنجح بعض القرارات، بل لماذا بدت جميعها معقولة عند اتخاذها، رغم أن أثرها بدا قريباً من التوقعات التي تفترضها هذه النماذج، إلا أنه لم يكن متسقاً تماماً مع واقع المجتمع المستخدم لها، بقدر اتساقه مع السياق الذي أُنتجت فيه النماذج ذاتها.
في هذا السياق، لا يصبح السؤال ما إذا كانت الخوارزميات دقيقة أو متقدمة، بل أين يجب أن يتوقف دورها. فالتحليل الخوارزمي يظل أداة قوية حين يُستخدم لدعم الفهم لا لاستبداله، وحين يُسهم في توسيع زاوية الرؤية لا في اختزالها. أما عندما يتحوّل إلى مرجع وحيد للقرار دون مساءلة بشرية واعية، فإنه يفقد علاقته بالسياق الذي يعمل داخله، ويبدأ في إنتاج نتائج تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى الحس الإنساني الذي يمنح القرار معناه وأثره الحقيقي. هنا لا تكون المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في وهم الاكتمال الذي تمنحه، وفي الاعتقاد بأن ما يمكن قياسه كافٍ لفهم ما لا يُقاس. فالقرار الجيد لا يُقاس فقط بما تُظهره البيانات، بل بقدرته على أن يكون مفهوماً، ومطمئناً، وقابلاً للتطبيق داخل السياق الإنساني الذي وُجد من أجله.

كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .