اليوم لا يشبه البارحة، هكذا يمكننا نثر الحبوب على الأرض الخراب، فلا تنبت غير الأسى والدموع، الليلة نقضيها غصبًا أمام التلفاز، لعلّه يأتي إلينا بـ “ليالي حلمية أخرى”، أو بـ “مال وبنون، وراية بيضاء، وأرابيسك طبعة ثانية”، نجلس أمام التلفاز بعد يوم طويل من المشقة والعناء، لعلّ الأوان قد حان كي نستريح، نأخذ الريموت كونترول باحثين في الساحرة الفضية عن “أبو العروسة”، فلم نجد سوى البلطجة والألفاظ النابية، سوى السكاكين والمطاوي والسنج والمسدسات وربما الرشاشات وهي تحتل معظم فضائياتنا، ندير وجوهنا عن مناظر الدماء، عن اللا قيمة واللا حياء، عن تسليع المرأة وطرحها في أسواق الرخص والعري والمشاهد والنصوص الهابطة، هو ديدن مسلسلاتنا.
دراما رمضان، وما أدراكم ما دراما رمضان، الكل ينتظر فوازير نيللي أو شريهان أو سمير غانم أيام زمان، فإذا بنا نجد خزعبلات المقالب الخطرة، وروايات مكتوبة على عجل وكأنها من صنع “الشات جي بي تي” أو خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مسلسلات اليوم أشبه بأغاني المهرجانات، تشجيع على العنف والقتل وسفك القيم وانعدام الأخلاق، تشجيع على الخيانة والنصب والسرقة وإدمان المخدرات، بعدما كانت الدراما تحث على الفضيلة والأخلاق الحميدة، وتعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، الزوجة التي تضحي من أجل راحة زوجها وقضاء مصالح وحاجات أبنائها، الزوج الذي يكد ويعرق ويقضي طول الوقت بعمل في أكثر من وظيفة ليغطي نفقات بيته، المجتمع العربي الحقيقي وليس ذلك الدخيل علينا من تجار الرخص والابتذال وشراء الترندات بأي ثمن.
القوة الناعمة مهددة بأن تتخلى عن رسالتها الأخلاقية والفنية والقيمية، لتنجر خلف تجار الجريمة وتجريف المجتمع.
الليلة لا تشبه البارحة، فلا كاميرا خفية تسر الخاطر وتجعلنا نضحك من أعماق قلوبنا، ولا برامج دينية على شاكلة نور على نور للراحل أحمد فراج، ولا للعظيم الشيخ علي الطنطاوي الذي كان يستضيف جهابذة العلم والفقه وأصول الدين لكي يزيدوا المجتمع نورًا وإيمانًا، ولا برامج حية بسيطة تعليمية لماما نجوى أو نجوى إبراهيم التي رسخت عند أطفالنا قيم الوعي بالبراءة، والإصرار على أن يعيش الطفل سنه الحقيقي، وصفاءه المنزه عن التقليد الأعمى للكبار، عمو فؤاد وبرنامجه الرائع الذي يكتظ بالحكم والنصائح والروايات التي كان يحميها الراحل العظيم فؤاد المهندس من خلال مشاهد تمثيلية علمتنا أن النظافة من الإيمان، وأن الإفراط في أي شيء هو تفريط في نعم الله التي وهبنا إياها، وأن المواظبة على الذهاب للمدرسة قيمة علمية وأخلاقية وليست بعبعًا مثلما يحدث اليوم في مدارسنا الخاوية من طلابها ومن منظومتها التقليدية تمامًا.
الليلة ليست أشبه بالبارحة حتى نقول لدينا صلاح أبو سيف جديد يتربع على عرش الواقعية، ولا نيازي مصطفى نسخة متجددة وهو يشير إلينا بالفرح والمرح وأيام الشباب بفيلم يحمل درسًا مستفادًا، ومشاهد متقنة لأبعد الحدود تحض على الشقاوة ولا تحض على الرذيلة، ولم يعد لدينا عاطف سالم عبقري من العالم الرقمي أو الافتراضي وهو يعيد تصوير “يوم من عمري” طارحًا فيه أول فيديو كليب في تاريخ السينما المصرية من خلال رائعة عبد الحليم حافظ بأمر الحب.
الليلة ليست كما البارحة، لسبب بسيط هو أن الوعي المجتمعي بدأ يعتقد أن صورة المدرس هو ذلك الرجل الذي يقدمه لنا الفن الناعم حاليًّا وإظهاره فقيرًا، معوزًا يشكو الأمرين من ضنك العيش وثقل دم مدير المدرسة، ولم يعد ذلك الرجل الذي يهابه الجميع ويحترمه المجتمع، ولم تعد المدرسة هي تلك السيدة الفاضلة التي تحمي النشء من خطورة التقليد الجارف لما تقدمه مسلسلات مخلة، وبرامج أطفال لا يحترم الصغير فيها الكبير، ولا يهاب التلميذ خلالها المدرس، ولا يعتمد فيها الطلبة إلا على نصائح أصدقاء السوء وليس هؤلاء الذين تعلمنا منهم الوفاء والصدق والحميمية والرفقة الطيبة والأسوة الحسنة، الليلة لا يمكن لها أن تشبه البارحة لسبب بسيط هو أننا تغيرنا، وأن فننا الذي أصبحنا نقبل به لم يعد يشبهنا، ولن.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية