لا ترتقي الأمم إلا بمثقفيها، ولا تنمو الأوطان إلا بباحثيها ومبدعيها، لذلك تلقف الغرب إنجازات علمائنا، اختراعاتهم، صولاتهم وجولاتهم، أخذوا من ابن سينا والفارابي والخوارزمي، ونهلوا من علوم جابر بن حيان وابن رشد والكندي والحسن بن الهيثم، طوروا أنفسهم، نهضوا بعلومهم، في الطب والهندسة والفلك والرياضيات والآداب والفنون، لم يتركوا علمًا إلا ونهضوا به، ولم يغفلوا فرصة إلا واقتنصوها، ولم يتنازلوا عن مشروع لمجرد أنه كان ينتمي لشعار، أو خطاب حماسي، أو أمة مختلفة.
ذهبوا إلى نهاية العالم، ولم يخجلوا من أنهم اقتبسوا كذا وكذا، ولم يترددوا في الإعلان عن ما نسخوه من تراجم وأسس وثوابت من المسلمين، بل إنهم اقتفوا خطاهم، ساروا على نهجهم، واستلهموا منهم العبر والدروس، وما يختلج في العقول والقلوب والنفوس، خصصوا الميزانيات الضخمة، ودربوا الكوادر البشرية المؤهلة، واختطفوا علماءنا ومفكرينا ومنحوهم الأوسمة والأموال والشهادات التقديرية والجوائز العالمية. فكروا بالنيابة عنا في وقت رفعت فيه الأقلام وجفت الصحف، وفي زمن ضاعت فيه المعرفة وتاهت فيه العقول، وتدهورت فيه المعارف، أصبح العرب في الذيل بعد أن كانوا في المقدمة، تركوا العلم والمعرفة، واكتفوا بالبحث عن الثروات الناضبة، اهتموا بالاستهلاك والزيف، ونسوا الإنتاج والتعليم والبحث العلمي، والثقافة التي ترفع مقادير الأمم.
بذلوا الغالي والنفيس من أجل أن يكون لدينا موطئ قدم في جائزة أفضل عارضة أو عارض أزياء، ونسوا جوائز المثقفين والمفكرين والعلماء، اهتموا بمطربي المهرجانات ولاعبي الكرة والمذيعات الفاتنات، ولم يهتموا بتربية النشء على حب التميز، وعشق الابتكار، والاهتمام بالقراءة خارج دائرة الحياة الافتراضية السريعة.
لم ننتج، لكننا نستهلك، لم نبتكر أو نخترع، لأننا مشغولون بأفخم أنواع الهواتف، وأرقى أصناف العطور، وأحلى أزياء لآلهة الموضة الذين ليسوا منا.
باركوا كل ما يأتي إلينا من الغرب، ولم يحاولوا تقليده، “كوبي وان” أو حتى “كوبي مليون”، المهم أن ننتج شيئًا، أن تكون لدينا براءة اختراع تعالج مرضا عضالا، وأن يصبح لدينا أكثر من أحمد زويل ونجيب محفوظ، لكن ماذا نقول، رفعت الأقلام وجفت الصحف، اعتبرنا الصرف على الثقافة سخف من عمل الشيطان، واعتقدنا أن الإعلام التقليدي القائم على التحليل والتدقيق ونشر الأمانة والمحافظة على التراث، والمحافظة على العادات والتقاليد، مجرد تقليعات عفا عليها الزمن، “دقة قديمة” وينبغي تجاوزها، ومن العيب الاقتداء بها.
أوروبا وأميركا وآسيا، هؤلاء الذين تقدموا مازالوا يقرأون الكتاب الورقي والصحيفة الورقية في باصاتهم وقطاراتهم وعلى مقاهيهم الساحرة، ونحن نعتبر أن ذلك عيبًا وعملاً منافيا للآداب ويتناقض مع حياتنا الافتراضية، وعوالمنا الخوارزمية، وطاقاتنا وأمورنا الرقمية.
لو كنا ننتج التكنولوجيا الخاصة بنا، ولو قمنا بتقليد الصين أو سنغافورة أو حتى تايلند، باستحداث معامل لإنتاج “التقليد” ولو كان أعمى، والتزييف ولو لم يكن متقنًا، والخروج عن المألوف حتى لو لم يكن معروفًا لدينا، لقلنا لم نُؤْكَل يوم أُكل الثور الأبيض، لكننا وللأسف الشديد لم نقلد أحدًا، ولم نستق علومنا من غيرنا، ووجهنا ميزانياتنا لكل ما هو مخيف وسخيف، وما هو ليس منه أي طائل، فأُكِلنا يوم أُكل الثور الأبيض.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية