سرًا أو جهرًا، سترًا أو علانيةً، معرض القاهرة الدولي للكتاب هذه السنة حدث ثقافي عالمي، شاء من شاء وأبى من أبى، لا يهم إن كانت معروضاته ترتبط بالماضي، أو أنها تحاكي المستقبل، ولا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، لو أن “ثقوب” المعرض كانت متألقة في بعض تجلياته وأركانه ومراميه، فالمعرض هذه السنة أصبح قِبلة للناس وليس للمفكرين، صارت دور النشر فيه “عالمية” رغم محليتها الفائقة، الأديب الشاب مثلما هو المفكر العملاق، الكل سواسية في النشر كأسنان المشط، والكل كتفًا بكتف أمام الرأي العام الحقيقي، ونظيره الافتراضي.
لا يهم من الذي تحول قبل الآخر أو تجول بين عالمين، أو ذلك الذي حاز على التصفيق الحاد فوق منصتين، أو أولئك الذين خلدتهم أرواح من رحلوا، أو الذين قدستهم شهادات من بقوا على قيد الحياة.. أيهما أو كلاهما حظي باليقين ذاته، بالفخر والخلود ذاتهما، بالورع والتقدير عندما يختلف النقاد على كلمة سواء، أو يتصارع المتشابهون على حدث لم يحدث وسط هذا الكم من المهاترات، والمشاحنات والصراع بين الأجيال. التمست العذر لنفسي وأنا أقرأ عن بُعد وأتابع من بعيد، وأنا أتمنى زيارة المعرض للعام العشرين على التوالي، لكن قوانين الفراق ولوائح المسافة أبعدتني مجددًا عن المشاركة في حدث هو الأهم ثقافيًا باعتقادي من بين الأحداث الدعائية الأخرى. اعتمدت على القراءة من خلال المنصات الإلكترونية، على المتابعة عن طريق صديق افتراضي لكنه حقيقي، ورغم إنجازات “سيد الأحمر” وكتائبه الإلكترونية المدججة بالتصويت والهتاف لصالح الماضي القريب، ورغم “جراح هبة عبدالوهاب” التي استقرت في “الركبة اليسرى”، ورغم العديد من المؤلفات التي سكنت دار الأدهم للطباعة والنشر، ومازالت الأتربة تعلوها، إلا أن عيني التي مازالت ترى التقطت لونًا أزرق يحمل عنوانًا عريضًا.
مفرغًا من قيود الإخراج التقليدي، ومن حتمية الهبوط بالمحتوى بفعل جاذبية التأثر بالآخر كيفما كان، وحيثما وضع جثته الهامدة، استقرت العين الباحثة عن مأوى عند “أزرق لا مرئي”، هي مجرد رواية لأديب شاب لديه عدة محاولات على المحك.
نجح أحمد الأنصاري في المزج بين أدب الواقعية السحرية، وسرديات الغموض والإثارة، فترك لنا أثرًا لا تخطئه عين، وهو يتمرد في سطوره المسترسلة من خلال ثلاث سرديات متوازية الأحداث وهي تجري في عوالم مختلفة، وتلتقي جميعها في عنق زجاجة مذهل، لكن لا تترك القارئ المتردد إلا وهو يعيش حالة نادرة من الدهشة. يقول أحمد الأنصاري في إحدى سردياته: “هناك من الفجوات الرابضة في أحلام اليقظة ما يجرح خصوبة الخيال، وما تجعله يخرج من فجوة سرية في جمجمة كاتب يحلم بأشياء، فيجدها فجأة ومن دون مقدمات وهي تسكن درج مكتبه على استحياء”.
حتى الغلاف الذي صممه أحمد الصباغ، ودار كاف للنشر والترجمة التي وفرت لمطبوعاتها إقامة دائمة في القاعة رقم (1) – 637، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، لم تفلت من زحزحة الأجساد لبعضها البعض، وهي تتزاحم إقبالاً على فرز الألوان، فيقع بين أيديها ذلك الأزرق المفضل وهو يدخل كهفه اللامرئي، ثم يطرح بجرأة وشجاعة المغامرين الأشاوس فكرته الخجولة عملاً بالحكمة القائلة: “ليس كل ما يُعرَف يُقال”.
أحمد الأنصاري كاتب وناقد ومحرر أدبي، تخرج من كلية التجارة – جامعة عين شمس، له العديد من المقالات الأدبية على أكثر من موقع وأكثر من منصة، كما تم نشر العديد من القصص القصيرة له، منها: دفتر التكوين في 2016، ورواية حكاية الكائن السرية عن دار روافد للنشر والتوزيع عام 2024، وهو ما قد يشي بسر دفين حاول الأنصاري إخفاءه عن العيون، لكنه أباح كل ما هو مكنون، وكشف كل ما هو تحت الأرض، فخرجت كائناته معبرة عن نفسها بقوة، ومتحدثة باسمه رغم محاولاته المستميتة بالتخفي والتستر والهروب.
نسخة شابة من عشرات التجارب والنسخ، ومازال الحدث الثقافي العربي الكبير قادرًا على البوح بتجارب أخرى، وألوان أخرى.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية