العدد 5950
الثلاثاء 28 يناير 2025
بعيدًا عن الأرض!
الثلاثاء 28 يناير 2025

لا أدري كم عدد الساعات التي قضيناها بعيدًا عن الأرض يوم الخميس الماضي، البعض يعتقد أن السنة الضوئية لا يُقاس الزمن فيها بعدد الساعات التي نعيشها على وجه الأرض، والبعض الآخر يرى في زمن الأحلام سرعة طيفية تفوق سرعة الضوء، لكن العِلم وللأسف الشديد مازال عاجزًا عن تحديد الوقت اللازم لإتمام حلم بشري بكامل هيئته وأحداثه وتفاصيله الصغيرة.
بضع ساعات بعيدًا عن الأرض قضيناها في معية منتدى الدكتوراه الأول للإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال الذي نظمته كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأهلية واستمر زهاء نصف يوم عمل، أو بمعنى أدق بضع سنوات ضوئية خارج حزام الجاذبية، وتحت سماوات الحياة الرقمية. نعم.. بضع ساعات بعيدًا عن الأرض، وفي عمق العمق من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، كيفية استدامته لتطوير أدائنا الإعلامي لتسريع ماكينات الكتابة اليدوية وتلك المنقولة “ديجيتال” باستخدام الحاسوب و”الموبايل فون”، أو حتى ذلك التواصل الهوائي من خلال اللقاءات على الهواء مباشرة أو التي تتم عبر الأثير. اجتمع المتحدثون وأصحاب البحوث - أكثر من 52 بحثًا علميًا - والمحاضرون في المنتدى عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجات الإنسان المعلوماتية على الأرض، ورغم أن المنتدى كان محلقًا بأميال ضوئية بعيدًا عن الأرض إلا أن الرأي الآخر كان يحاول بفعل الجاذبية الأرضية، وقانونها المهمل عن عمد، العودة إلى المربع الأول والتحدث بلغة الإنسان لا بلكنة وسرعة وثرثرة الآلة، بروح البشر لا بتلقائية التصنع، بالذكاء الطبيعي وليس الذكاء الاصطناعي.
رغم ذلك، ورغم افتراضي أنا شخصيًا بأن المؤتمر ركز جل مداولاته على مشرط الجراح وليس على المريض، على القاطرة وليس على القطار، على سرعة الوصول من دون أي اعتبار لنوعية “البضاعة” المُراد توصيلها من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، إلا أن التجمع الإلكتروني البشري كان أكثر عدة وعتادًا، من الصوت الإنساني المنفرد الذي يحاول أن يعمق روح الحدث الإعلامي، ويؤكد ضرورة أن يكون مؤثرًا في الناس ليبقى، وأن يكون مرافقًا لذاكرتهم ليكتب له الخلود.
سرعة المعلومة، أو إجراء العمليات الجراحية عن بُعد، أو بناء الكباري باستخدام الروبوت، أو ضبط المساجين الهاربين من خلال أذرع إلكترونية بعيدة المدى، كل ذلك كان يحاول إثبات أن جرار القطار أهم من القطار، وأن مقص الطبيب أكثر عبقرية من الصرخات المدوية للمريض.
يا جماعة الخير، رويدًا رويدًا، طوعوا الذكاء، واستخدموه بكفاءة “الجراح”، ومهارة العالم، لكن لا تتركوه يستخدمكم، طوعوه ليكون خادمًا لأهدافكم ولا تتعاملوا معه كإله يأمر فينهانا عما كنا عليه، كونوا ندًا له ولا تنسوا أبدًا أنه من صنع أيديكم ولم يهبط عليكم من السماء، وأنه يؤنس وحدتكم ويضيء لياليكم، لكنه لن يبث الروح فيكم، ولن يفرح قلوبكم ولن يحل مكانكم عند الحبيب الأول.
بضع ساعات بعيدًا على الأرض تمكن فيها العلماء من ربط الحابل بالنابل، وتوصيل الحقيقي بالافتراضي، والتقليدي بالإلكتروني، وللمنتدى الأول تقاليد وبحوث واكتشافات علمية لم يبح بها بعد.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية