العدد 5952
الخميس 30 يناير 2025
فضيلة “إني لا أعلم”
الخميس 30 يناير 2025

أصبحنا نتمنى أن نجد من يقول: لا أعرف.. لا أعلم.. لا أدري.. الله أعلم، وافتقاد المجتمعات مثل هؤلاء المتعففين عن الثرثرة والادعاء يؤشر إلى حالة اختلال نفسي تؤدي إلى مثل هذا الادعاء والغرور والاستعراض.
إن ثقافة الادعاء أصبحت تملأ الفضاء العام بالأدعياء الذين يدعون أنهم أعلم الناس، وأنهم أحاطوا بكل شيء علماً، لهم رأي في كل شيء، فهم كتاب ومفكرون ومعلقون ومحللون وخبراء استراتيجيون، يعلمون ما لا نعلم، يعرفون ما لا نعرف، يدركون ما لا ندرك، يستنتجون ما لا نستنتجه. الوجه الأول لهذا الاختلال نجده في هذه الحالات غير المسؤولة من الثرثرة والادعاء التي تزكمنا بروائحها الكريهة، فإذا دار الحديث عن الفلسفة يزعمون أنهم من رواد (الكوجيتو)، تجدهم يدلون بدلوهم بحماس منقطع النظير، يندفعون في أي حوار أدبي أو فكري أو ثقافي أو سياسي من دون علم، وكان علماء من الأقدمين عندما يريدون التكلم يحبسون الكلام مخافة المباهاة، وهناك من هو على علم وفير، عندما يُسأل في غير اختصاصه، يستحي من الإدلاء بدلوه مخافة الخلل والزلل. الوجه الثاني لهذه العلة تجسده ظاهرة الثرثرة الإعلامية في الفضاء العام التي تتلبس لباس الفهم والمعرفة مع ما فيها من خلل وفوضى. نفس الوجوه الهزيلة، والركاكات المثيرة للشفقة مبنية على فقر في المؤهلات والخبرات، والاعتقاد بأن الإعلام شاعر جاهلي يصرخ في البرية لاستنهاض الحمية في معارك الثأر، كلمات رنانة وصور باهتة، وضحالة في الفكر والرأي، وارتجالية مؤسسة على فقر في الموهبة وضعف في الخيال. غياب الضبط وغلبة الخلط والخبط وهزال القوالب التي لا تنطوي على شيء من الثقافة أو الإبداع والإحساس بالمسؤولية. 

همس
قيل إن رجلا زار الإمام مالك بن أنس، وقال له يا أبا عبدالله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، حمّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها، قال: فسل. فسأله الرجل عن مسألة، فكان جواب مالك: “إني لا أعلم”، فقال السائلُ: أي شيء أقول لأهل بلدتي إذا رجعت لهم؟ فرد عليه مالك: قل لهم: قال مالك: “إني لا أعلم”. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .