العدد 5908
الثلاثاء 17 ديسمبر 2024
الشام الذي كان!
الثلاثاء 17 ديسمبر 2024

ما كنت أنوي الكتابة مجددا عما يحدث في سوريا مؤقتا، كان قراري أن أهدأ قليلا، أن أجفف دموعي، أن أراقب من بعيد، لكن مقالا لأحد الأصدقاء أرسله لي وهو يحكي كمية الرعب التي تعرض لها في العام 2000، عندما أرسلته إحدى المحطات الفضائية لإجراء حوار مع بشار الأسد فور تسلمه السلطة خلفا لوالده الأسد الأب، في النهاية لم يستطع إجراء اللقاء مع “مشروع الزعيم”، لكنه نجح في إجراء ذلك الحوار مع وزير دفاعه ومهندس عملياته العماد مصطفى طلاس، وبصرف النظر عن فحوى الحوار، إلا أن وصف زميلي الأجواء في دمشق، والأحوال بين الناس، دفعني مجددا للكتابة ردا على الصديق، وكان هذا على أية حال:
يعجبني في مقالك أنه جزء من تجربة حية، من رحلة طويلة شخصية إلى شخصية راحلة إلى أبد الآبدين عن حكم سوريا، الأسد وابن الأسد، يصلح عنوانا مثيرا للجدل، ومضمونا فجا للديكتاتوريات العريقة في عالمنا، مقالك أخي نبيل يكشف حقائق مرعبة في قلب العروبة النابض، فيريح ويستريح، لكن ذلك لا يعني عودا أحمد للأسد الجريح، فالمستقبل المظلم صار أكثر ظلاما، والتدخل الأجنبي الميليشياوي والنظامي و “البين بين” تحول لمحاولات بنيوية لشبه دولة.
أحمد الشرع بطل الرواية كلها أصبح حديث العالم في ليلة وضحاها. 

لا جرائم الإبادة في غزة وعدوان الفرصة الذهبية على مقدرات سوريا العسكرية والاستراتيجية والوجودية، الكل يبحث عن ليلاه في هذا الصراع الأبدي بين جماعة قادمة على مجنزرات تركيب من دولة لها أطماع واضحة في سوريا، وأخرى حسبتها جيدا وهي روسيا، حيث ارتأت أن التخلي عن سوريا في سبيل تخفيض مستوى الدعم الغربي لأوكرانيا ومن ثم تخفيف الضغط على الحليف الأكبر لسوريا سابقا قد يكون بمثابة الصفقة المدوية التي لن يشعر بها أحد، كون تهريب الأسد الابن وعائلته إلى مكان آمن في روسيا هو الخيار الذهبي لحفظ ماء وجه أكبر داعم لسوريا في أيامها الخوالي، بل إن ذلك يعد بمثابة الخروج الآمن حتى من قاعدتي طرطوس وحميميم السوريتين قبل أن تحاول أية قوة طائشة على الأرض السورية الانتقام أو تصفية الحسابات مع أصحاب القاعدتين، على أية حال لم يكن في الإمكان أسرع مما كان، بل وأسهل مما كان، حيث كان السقوط مدويا والهروب كبيرا، والبدائل كلها محل شك، فلا المليشيا المرتدية زي دولة يمكنها نسيان أصلها التركي، ولا حكومة الإنقاذ أو تسيير الأعمال يمكنها فك شفرة المستقبل السوري الملبد بالاحتمالات، ولا الاحتفالات بمولد عصر الحرية في ساحة الأمويين قد تعيد الحرية لشعب مغدور في الشام، كل ما هنالك أن صديقنا الباحث والإعلامي المجرب والشهير نبيل نجم يحاول أن يقرأ ولا يستطيع أن يقول ما أنا بقارئ!؟.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .