أفضت هيمنة النموذج الليبرالي الرأسمالي إلى بروز أشكال متشابهة من المواطنة، ترتسم توجهاتها ضمن النزعات الفردية المتوائمة مع منطق اقتصاد السوق، وهي الفردية التي وصفها عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي (إدغار موران) بأنها “تحولت إلى مشكلة مستعصية في الحضارة الغربية، لأنها حولت الفرد إلى مجرد هباء في مهب الريح، يعاني من أشكال العزلة والأنانية”، ولا شك أن تضخم الفردانية هو أحد أهم الأسباب التي قادت إلى تراجع مفهوم المواطنة، حيث تحوّل المواطن بما يمثله من ارتباط عاطفي وعقلاني بالضمير الجمعي، إلى فرد منعزل خاضع لمصالحه الفرديّة.
لكن بالنسبة لمجتمعاتنا العربية، فإن الجهد قائم حاليًّا على محاولة المواءمة بين الفردية والمواطنة المدنية في سياقها الاجتماعي، المفضية إلى الوحدة الوطنية والتضامن في سياق هوية جامعة. ونستذكر هنا الجهد المبذول في مملكة البحرين في مجال التربية على المواطنة والشراكة المجتمعية والحق في الاختلاف وجعل التنوع مصدر ثراء وليس مصدرًا للفرقة والانقسام، وهو جهد مهم يقتضي تعزيزه كونه صمام أمان أمام التوجهات الفردانية الكاسحة التي تجرد المواطن من وطنيته والنزعات التقسيمية التي تحول دون تحقيق المواطنة المتساوية والوحدة الوطنية. إن السعي المستمر لتوطين قيم المواطنة والانتماء عبر التربية والتعليم، ومشروعات التنشئة القائمة على تثبيت المواطنة قيمة وممارسة ضمن برنامج “التربية للمواطنة” المتضمّن: الوطنية والمدنية والمواطنة المتساوية. فالتحديات التي تواجه مجتمعنا اليوم تقتضي “تمجيد الوطنية” وإعطاءها الأولويّة في سلم القيم، وجعلها هدفًا تربويًّا متّصلًا بالهويّة التي تستوعب الانتماءات الفرعية الأخرى.
أمّا التربية المدنية فتأتي لتثبِيت التربية الوطنية، والعمل على بناء مجتمع متحضّر متضامن تقوى فيه الروابط الاجتماعية والوحدة الوطنية ومظاهر السلوك المدني. وهذه مهمة تضطلع بها بالدرجة الأساس التربية والتعليم، لكنها أيضًا موكولة إلى المؤسّسات الثقافية والإعلامية والشبابية والرياضية ومؤسّسات المجتمع المدني والمجتمع السياسي، ضمن مشروع وطني للتنشئة الوطنية المدنية، والإدماج الاجتماعي، بالمعنى الذي يجمع بين الحقوق الفردية والتضامن الوطني، وتثبيت قيم المواطنة المتساوية والسلوك المدني، بما يعزّز الثقة في المواطن، ويدفعه للمشاركة الفاعلة والمؤثرة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
كاتب وإعلامي بحريني