عند الحديث عن المواطنة والهوية الوطنية والانتماء، نجد أكثر من مقاربة وخطاب، أهمها:
خطابات أصولية ترتكز على منظور (الأصالة) المختلف مع المفاهيم والقيم الموصوفة بأنها (مستوردة وتغريبية)، وينهض هذا المنظور في الغالب على مفاهيم ثقافية ومجتمعية عرقية أو دينية أو طائفية، تنسج ما يسميه بـ (الهوية)، باعتبارها خط الدفاع الأول عن هوية المجتمع وشخصيته ونمط عيشه، وهي خطابات تثير العديد من الإشكالات الصراعية والإقصاء والتأزم خصوصا في المجتمعات المتعددة. وخطابات تنهض على اعتبار المواطنة مدنية بالضرورة، مدنية أو لا تكون، استلهاما من قيم الحداثة، مواطنة جامعة تعلو على الهويات الفرعية، مستنيرة متساوية، يحكمها القانون ومقتضيات العيش المشترك، وتقبل التنوع والتعدد والاختلاف، وهذه الخطابات تثير أيضا إشكالات وخلافات ويجري حولها جدل لا يتوقف، ضمن مأزق ثنائيات الأصالة والمعاصرة.
والحقيقة أن المقاربتين لا يمكن قبولهما أو رفضهما في عموميتهما، بل ولا ضرورة للاختيار بينهما بشكل مطلق، نظرا لتميز الممارسة الاجتماعية والثقافية ببعض السمات التي لا يمكن القفز عليها في أية مقاربة جادة وواقعية، فتحقق المواطنة بمواصفاتها السياسية والاجتماعية والمدنية والحقوقية، لا يرتبط فقط بأصالة المجتمع ومنظومة قيمه الخاصة فحسب، ولا بارتباطه الحتمي بالحداثة وانعكاساتها على التفكير في قضايا الدولة، والأمة، والهوية والعلاقة مع الآخر، ومقتضياتها فقط، بل يرتبط بالضرورة بصيرورة تطور المجتمع وتنوعه الثقافي، كمصدر للثراء وكإشكالية مجتمعية في الوقت ذاته.
ما يقتضي بالضرورة وجود مشروع وطني جامع يقوم على منظور للمواطنة يجمع بين مقومات المجتمع وثوابته، وارتباطه الحتمي بالحداثة وبمقتضياتها، وبالمصير المشترك ضمن بلد متعدد يتميز بعراقته وعنفوان شبابه وبانفتاحه على العالم واستعداده للمشاركة فيه بفعالية وثقة عبر المسارات الثقافية والسياسية والتنموية وغيرها، وتكون متمحورة حول الإبداع والتميز والمشاركة، ومجسدة للارتباط بالثقافة الإنسانية وبقضايا المصير المشترك للإنسان.
إن مثل هذه المقاربة تستوجب البحث في العلاقة بين الثقافة الجامعة والمبادئ والثوابت التي أجمع عليها الناس خلال التصويت على ميثاق العمل الوطني والعمل على إثرائها، وتثبيت متطلبات الانتماء إلى العصر بثوابت الحداثة الإنسانية، مثل العقلانية والحرية والنسبية والمشاركة والقبول بالتنوع وإخضاع الفضاء العام للقانون المدني، وفصل الديني عن السياسي، وهذا يتوجب مشروعا تعبويا يستنهض المجتمع مجددا لوضع الأسس لسياسة ثقافية متلائمة مع التحديات ومع مواطنة مشتركة، مستقلة متساوية.
كاتب وإعلامي بحريني