قبل أكثر من 30 عامًا والحوار الخليجي الأوروبي "مكانك راوح"، اتفاقيات تعاون يتم إجهاضها في المهد، محاولات لـ"اتفاقيات تجارة حرة" تذهب أدراج الرياح، اتفاقيات ثنائية تدخل ضريبة الكربون على خطوطها المتقاطعة فتمنعها من التنفيذ، علاقات تجارية هي الأكبر مع دول المنطقة مقارنة مع مختلف دول العالم، لكنها لا تتجاوز حدود المصنع مع "السوبرماركت" الكبير، تصدير النفط الخام واستيراد كل شيء تقريبًا.
دول مجلس التعاون الخليجي كانت لها رؤية مضادة، فهي دول فاعلة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والجيوسياسية وغيرها، والدول الأوروبية من ناحيتها تعد من أكبر الشركاء الفاعلين في هذه العلاقات ربما على نفس المستوى التشاركي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم المقدمات الطويلة وتلك المؤجلة، التأمت أول قمة خليجية مع الاتحاد الأوروبي لوضع النقاط فوق الحروف وتحتها، لقيام علاقات متوازنة وعادلة بين الإقليمين الكبيرين خاصة في ظل المتغيرات السياسية التي أحاطت بمنطقة الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى الآن.
من هنا كان لابد من تحرك خليجي يحقق مصالح المنطقة ويتعاطى مع المصالح الأوروبية بواقعية تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة للموقف الأوروبي الغامض من قضايانا المحورية، ومصالحنا الحيوية، وأحوالنا المدارية المتكررة.
ومن المنطلق ذاته كانت رؤية مملكة البحرين، التي حملها نيابة عن عاهل البلاد المفدى مليكنا المعظم ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظهما الله، ليلقيها أمام التجمع الأوروبي الخليجي العالمي الكبير.
موقف ورؤية البحرين واضحة، ولا تحمل أية تنازلات بخصوص قضيتنا المحورية العربية وذلك بالوقف الفوري لإطلاق النار في غزة وإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة، هو ما يعزز بناء مستقبل يتميز بالسلام والازدهار والمحبة بين شعوب المعمورة قاطبة، تمامًا مثلما شدد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بدعوته لإصلاحات شاملة في جميع المؤسسات العالمية، أهمها الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين، لتصبح أنظمة هذه المؤسسات أكثر عدلاً في التعاطي مع مشكلات مختلف دول العالم من دون تفرقة أو استثناء، وإيجاد نظام عادل في التمويل وحماية الكوكب، وتعزيز موارد الأرض، والمحافظة على التنمية البشرية، وصولاً إلى التنمية المستدامة، إلى جانب إعادة طرح مبادرة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه لعقد مؤتمر دولي للسلام من أجل اعتماد طريق لا رجعة فيه نحو "حل الدولتين"، ووقف النار في لبنان، وعدم الاعتداء على المدنيين الآمنين.
ونحمد الله ونشكر فضله أن القمة الخليجية الأوروبية هذه المرة قد توصلت إلى قرارات أكثر وضوحًا من ذي قبل، بل وأكثر إجماعًا على الأولويات التي تضمنتها الكلمة التاريخية لمملكة البحرين، خاصةً ما يتعلق بمواصلة المفاوضات لإعفاء الرعايا الخليجيين من تأشيرة "شنغن"، وإقامة علاقات ومناطق حرة كاملة المواصفات ومتصلة ببعضها البعض تحمل الإعفاءات الجمركية، تمامًا مثلما تحمي الصناعات الوطنية من الانحراف والسيطرة وإزالة الحدود بما يضر بالبعض في الوقت الذي يأتي فيه البعض على البعض الآخر.
رؤية مملكة البحرين، التي ارتبطت منذ المهد بمصالح أمتها، والكلمة السامية التي نالت كل التقدير والاحترام من المجتمع الدولي بأسره، أصبحت بمثابة نقطة تحول في تاريخ العلاقات الخليجية الأوروبية خاصةً ما أشارت إليه بخصوص إصلاح بعض المؤسسات العالمية وأكثرها خطورة على أمننا القومي الإقليمي وهي الأمم المتحدة التي أصبحت مؤسساتها مهيضة الجناح، وأدوارها هامشية للدرجة التي لم تعد تحترمها إسرائيل، ولا أي دولة معتدية على أية دولة آمنة، حفظ الحقوق، حماية الحدود، إصلاح مجلس الأمن الدولي وضرورة انضمام دول أخرى لـ"الفيتو" المعطل للقرارات الإنسانية العاجلة، أيضًا دور محكمة العدل الدولية "الشكلي" عند البت في القضايا العالمية التي سيثبت لدى ضمير هذه المحكمة بعض جرائم الحرب التي يُترَك أصحابها بلا عقاب، بالإضافة طبعًا إلى صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين تسببا في العديد من الكوارث الاقتصادية والإنسانية بالدول النامية وتلك التي تئن تحت ضغط الفقر وضيق اليد والعوز الشديدين. هذا كله يتطلب تغييرًا في سياسات، وإصلاحًا لمؤسسات، وإبراء لذمم بحق دول توشك على التماهي، وشعوب على شفا الضياع بسبب الحروب والكوارث الطبيعية والأفعال البشرية.
محطة تاريخية جديدة يقف عندها العالم متحدثًا عن أولويات تم الاتفاق عليها مع أحد أهم التكتلات في النظام الدولي الجديد "أوروبا – الخليج"، هو ما يحقق المنافع لدول العالم أجمع وليس المنطقتين الأوروبية والخليجية فحسب.