العدد 5848
الجمعة 18 أكتوبر 2024
“هان كانغ” ونوبل المختلف عليها
الجمعة 18 أكتوبر 2024

الموقف السياسي لـ “هان كانغ” بطلة “نوبل” للآداب يحملنا كأدباء عرب مسؤولية “عدم المقارنة”، القيل والقال، لماذا هي، ولم نكن نحن؟ حتى من باب “الهزار السخيف، والنكات ثقيلة الدم”. هان كانغ تستحق ليس لأنها رفضت استلام قيمة الجائزة حتى الآن، طالما العالم يقف متفرجًا على قتل أطفال غزة، وطالما أن الإنسانية لم تتحرك لحماية المرأة الفلسطينية واللبنانية من القتل والسحل والإجهاض، وطالما أن كبار السن “المرضى وشباب أهل الجنة” لا يجدون مستشفى آمنا من غدر الطبيعة، أو عش عصافير لاحتضان الأجيال الجديدة.

هان كانغ تستحق نوبل للآداب لأن العلاقة المعقدة بين الإنسان والوجود مازالت تحتاج إلى كشف، ولأن هشاشة الجسم البشري آن لنا أن نعترف بها، وآن لها أن تعيد إحياء مخلوقاتها “الآيلة” لكل شيء، وآن الأوان لكي تفهم الإنسانية جمعاء أن الصدمات النفسية والعنف والحالة الآدمية المتشظية لابد أن تتم معالجتها من خلال خيالات الأدباء وليس عن طريق الذكاء الاصطناعي، وأنه آن الأوان لكي نعترف كأدباء بأن تتحول قضايانا الوطنية المعاصرة إلى قضايا وجودية، إلى مشكلات تهم العالم أجمع، وإلى إنسانيات ترفض التنكيل بأي عنصر بشري مهما كانت الادعاءات العرقية طاغية، والعصبيات السياسية مبررة، والحالة الأممية متراخية. هان كانغ نموذج “نوبلي” جديد لسيدة عاشت حياتها ضد التيار، تقاوم الريح المضادة، وتحمل هموم أمتها الكورية فوق أكتافها، وتتعلم وتُعلم وتعلم قبل غيرها أن في التفكير خارج الصندوق عشرات الفوائد. 

وأن هذا النوع من التفكير “المضاد” يصب باتجاه الحياة المرتبطة بالنظام المؤسسي الظالم، وبالأيقونات المفتعلة في الأدبيات الحديثة، وتلك المطعون في نزاهتها.

لا يجب أن نعيد تركيب أوهامنا وصراعاتنا على محافل “نوبل” كون تاريخها معنا لا يسر عدوا ولا حبيبا، فما لا يُدرك جله لا يُترك كله، ومن كان سيء السمعة مع حالة أو شخص أو معركة أو حدث، قد يكون في غياب الثوابت المحرضة أكثر نبلاً مع أشخاص آخرين، ومع حالات أخرى لا تتوافق مع ظاهرة التعميم أو التعتيم على سلاسل الأحداث المرتبطة بحياتنا البشرية، فليس السرد الشعبي مثلما يرى “أدونيس” هو الذي يجمع القيم الفنية ويضعها في سلة مهملات واحدة، وليست الجماهيرية الجامعة في رأيه دليل وهن أو ضعف أو “قلة قيمة”، مثلما يرى “قديس” الفكر العربي المعاصر، إنها حالة ميئوس منها حتى يتم فرش كل التهاني الوردية فوق سجادها الأحمر، الأماني الطيبة تحت “كعوب” الأحذية المهتزة بعنف من فوق أرضية في منتهى الرخاوة والدناءة والشللية.

لا تكترثي يا “هان” بما يتقول به البعض “غيرةً” وكمدًا وحقدًا، نصوصك الشعرية أو الروائية سواء تلك التي مست هشاشة الجسد البشري، أو التي وضعتك على عرش “البوكر” بـ “The Vegetarian” في عام 2016، أو الأخريات الفاتنات على مستوى الطرح وأنسنة القضايا، وإزكاء المحتوى على طريقة الدمج التاريخي والاجتماعي بفلسفة لا تقبل السرد التقليدي ولا ترحب به في قاموسها المتمرد العنيد، ولا تنصاع إليه بفعل ما يمكن إدراكه على مضض، من خلال الخروج بالكلمة إلى مستوى أكثر رقة وتأملاً، بل إلى مستويات متصلة بين الذات والمعنى العميق من أجل اكتشاف الآخر الذي اعْتَبَرَتْهُ بعبقرية نادرة أنه مرآة لوجودنا مهما كان الاختلاف مزعجًا، أو التضاد مريبًا، أو المسافات بعيدة.

لا تكيلوا يا أصدقائي هذه المرة بمكيال واحد، بل آن الأوان بأن نكيل بمكيالين أو ثلاثة أو مئة، طالما كان بيننا من يستحق، وأصبح ما بينهم لا يثير الإعجاب.

*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية