مواصلة للحديث عن مؤشرات تراجع العولمة، يمكن أن نضيف إلى ما أشرنا إليه في المقالة السابقة ثلاث نقاط أخرى:
أولا: أن العولمة أتاحت أمام الدول والشعوب عددا من الفرص التي لا يمكن إنكارها، إلا أنها تسببت في العديد من المشكلات والمخاطر على الأصعدة كافة. والثروة الاتصالية والرقمية جعلت العالم متشابكا أكثر من أي وقت مضى، كما كان من نتائج العولمة تعزيز التأثير المتبادل بين ما هو عالمي وما هو محلي، مع السعي على صعيد النوايا والخطاب إلى دمج بلدان العالم في مجتمع عولمي واحد بلا حدود.
ثانيا: على صعيد الواقع فإن هذا العالم المثالي الواحد المتضامن المتسامح الحر المتكافئ لم يتحقق منه شيء كثير، بل حدثت تراجعات دراماتيكية على هذا الصعيد. فقد كان الغرب – وهو زعيم العولمة ومحركها الرئيسي - يعتقد أنه من خلال دعم الثقافة والحداثة، وما يسميه بالتنوير في هذه البلدان سينجح في تغيير بنية الوعي، والحد مما يسميه بالتطرف والإرهاب، وقد سعى الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال إلى تبني سياسات من هذا القبيل، من خلال الحوار “شمال – جنوب”، وقد قام بالفعل بتمويل أنشطة وسياسات حكومية وأهلية مدنية من هذا القبيل.
ولكن لم تمر فترة طويلة حتى انقلبت الأفكار والأمزجة وأصبح الشعار الرئيسي في الغرب هو محاربة “الهجرة واللجوء” وتحصين الحديقة الغربية المزدهرة من “وحوش الغابة المجاورة، مصدر الشرور والإرهاب”، على حد تعبير السيد جوزيف بوريل، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.
ثالثا: لقد انقلب الاتجاه 180 درجة من التركيز على دعم الثقافة والحداثة في دول الجنوب والضغط لتكريس الأجندات “الليبرالية” للدول إلى تمويل بناء الأسوار العازلة بين الحدود وتوفير دوريات لمنع المهاجرين من عبور البحر من الجنوب نحو الشمال، لتأمين الحدود من جحافل المهاجرين غير الشرعيين.
تلك بعض المؤشرات عن العولمة غير الكاملة تتراجع بشكل سريع، واليمين الشعبوي الانعزالي ينمو بشكل مرعب في معظم الدول الغربية، لينقلب على عولمة الاقتصاد، والحدود لا تزال قائمة بل أضيفت إليها الجدران العازلة والأسلاك الشائكة، والحدود الثقافية مازالت قائمة، والدولة الوطنية لا تزال صمام الأمان الرئيسي الباقي رغم كل محاولات استئصالها.
*كاتب وإعلامي بحريني