العدد 5788
الإثنين 19 أغسطس 2024
في الطريق إلى سقوط العولمة (1)
الإثنين 19 أغسطس 2024

خفّ في السنوات الأخيرة الحديث عن العولمة بالصورة الإيجابية التي تم التسويق لها، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد فترة ازدهار المفهوم وما رافقه من تفاؤل بقيام المواطنة العالمية والسوق العالمية والقيم العالمية المشتركة، ضمن البعد التواصلي والتضامني الإيجابي، في ظل انتصار قيم حقوق الإنسان وعلو الحرية والديمقراطية، ولكن شهد العهدان الماضيان حالة من التراجع والنكوص، نحتاج إلى التوقف عندها.
أولا: في لحظة تألقها وانتشار أدبياتها تحولت العولمة إلى ما يشبه “العقيدة الجديدة”، يراد تعميمها وتأهيل الدول المتخلفة عن الركب لتلتحق بها، من منظور أن العلاقات بين الدول والبشر أصبحت ذات طابع كوني، بالرغم من كونها علاقات بين مجتمعات متباعدة جغرافيا وثقافيا، فأصبح ما يحدث في دور المركز له تأثير فوري (مثل الأزمات المالية والاقتصادية التي ينتقل أثرها خلال ساعات إلى معظم الدول). ثانيا: كان من نتائج اتساع تأثير التيارات الفكرية والسياسية المرتبطة بالعولمة والتحولات التي فرضتها الدعوة إلى تقليص سيادة الدولة على أراضيها واقتصادها ومواطنيها، فلم تكن الدولة الطرف الوحيد المؤثر في صنع القرار وصياغة السياسات والقرارات، بل أصبحت مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ذات الشراكات الواسعة مع الخارج ذات تأثير بارز في المجالات المدنية والتشريعية والاقتصادية والمالية والمؤسساتية، وهي مجالات كانت في السابق شأنا خاصا بالدولة ومؤسساتها. كما حدث في بعض الحالات الاختراق الواسع لسيادة عدد من الدول وبرزت حالات من التجزئة وظهور كيانات جديدة مشوهة على حساب الدول الوطنية. ثالثا: إن رفع سقف التطلعات من العولمة، في صورتها الرأسمالية الليبرالية، لم يثمر ما تم التبشير به، فقد تضخم دور الشركات متعددة الجنسيات الكاسحة للاقتصاديات الوطنية، وبدأ تراجع دور الدولة في التسيير والرعاية والحماية، ما أدى إلى انتشار مزيد من الفقر والبطالة في العديد من البلدان النامية. 
وعلى صعيد المبادئ حدث النكوص عن مبادئ الشرعية الدولية التي تشمل بوجه خاص عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والذي يعد أسوأ ما يمكن أن يعتري العلاقات الدولية من تغير. ولتحسين صورة هذا التدخل، أضيفت إليه صفة “الإنساني” لتبرير النكوص عن واحد من أكثر المبادئ رسوخا في القانون الدولي، وهو “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، كما أصبح على الدول أن تتبنى الأطروحات العولمية طوعا أو كرها، أو أن تخاطر بمواجهة مفتوحة قد تقودها إلى نهايات شبيهة بما حل بالعراق وأفغانستان وليبيا وغيرها. وللحديث صلة.
* كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية