“مَن ليس له ماضٍ لا مستقبل له”، مقولة يصفها “التكنولوجيون” بأنها لا أساس لها من الصحة، فالتكنولوجيا الحديثة في نظرهم تُغْني عن التاريخ، تُعيد كتابته من خلال أفكار تجميعية وأخرى افتراضية، فتكتب لك تاريخًا رقميًا لا رقم فيه، ولا معلومة صحيحة ربما، جميعها عوالم افتراضية، ضربًا من ضروب الخيال، لكن الناس يلهثون خلفها، فكل شيء يأتي عن طريق اصطناع الذكاء واستزراع مخرجاته، فكل شيء في نظرهم مشكوك فيه لو كان الإنسان الطبيعي وسيطًا أو مُحركًا، هكذا يحدد البعض ملامح المعلومة ومصدرها، سياقات الأحداث وطبيعتها، مفردات التعاطي وأمومته، هكذا يفكر البعض إلكترونيًا مثلما يفكرون افتراضيًا، وهكذا يؤمن المهووسون بـ “الديجيتال” ويفرضونه على المترددين في استخدامه، والمعتمدين على أنفسهم في استسقاء المعلومات.
الصحافة في الماضي يكتبها موهوبون دارسون، متدربون على قيم النزاهة والحياد وكيفية صياغة المعلومة الصحيحة في الزمن الصحيح، الصحافة في الماضي كانت مؤثرة لأنها كانت “مُصدقة”، معترفًا بها، موثوقًا بنواياها وأخبارها.. لماذا؟ لأن كاتبها ليس عشوائيًا وليس افتراضيًا، تمامًا مثلما يحكمه القانون والأعراف والتقاليد، بالإضافة إلى أن المنبر المستخدم ورقيا أم فضائيا أم عبر الأثير لديه لوائح وقوانين وحيثيات، إدارات ومراكز تدريب ومنصات، المنظومة كلها كانت تعمل بتنسيق وارتباط، بترتيب وتناغم وتوقيتات، لذا كانت الصحافة في الماضي واقعًا أحالوه إلى التقاعد، وفشلوا في أن يخلعوه من قوة الذاكرة، من ضخامة الموروث، ومن إنسانيته الفاعلة. فشلوا.. ربما، لكن المستقبل الذي لا مستقبل له ينبئ بأنهم نجحوا، هؤلاء القادمون على أسنة التكنولوجيا واصطناع الذكاء، هؤلاء المدججون برماح الإنترنت ورياح “التواصل غير الاجتماعي”، وهؤلاء المُسيرون على أرصفة الهواتف الذكية والأجهزة غير المرئية والتعاطي مع الدنيا عن بُعد، أولئك وهؤلاء يبشرون بأنه لا فرق بين السرقة والاقتباس، بين انتحال الشخصية وفرض قوتها الحقيقية، بين الطبيعي والمتصنع، أو بين الذاتي والدخيل على الذات.
أولئك وهؤلاء من قاموا بتشويه صورة الشخصية العربية والهوية الوطنية، باستخدام الصحافة العربية، ومن غيروا قواعد كل الألعاب وتحويلها إلى مجتمعات مستهلكة للتكنولوجيا وليست منتجة لها، وأولئك وهؤلاء الذين كذبوا علينا فصدقناهم، وزوروا تاريخنا وساعدناهم، وانتحلوا بطولاتنا وأمجادنا بعد أن بعناها لهم بأبخس الأثمان.
و.. أولئك وهؤلاء هم الذين جاءوا كأحصنة سوداء في ماراثون لا أول له ولا آخر، لا بداية ينطلق منها ولا خط نهاية لحسم السباق، جاءوا لنا من حيث لا نحتسب، يقلدون من اخترعوا التكنولوجيا لكي تستخدمنا ولا نستخدمها، لكي تمارس معنا فعلتها ولا نستطيع أن نُسيرها، ولكي تفرض علينا سطوتها ولا نستطيع أن ننطق بحرف أمام جبروتها وهيبتها.
الصحافة العربية في الماضي كانت جزءًا من واقع حقيقي، وفي المستقبل الذي لا مستقبل له هي كل من خيال علمي ضيعني وأضاع طريقي.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية