العدد 5764
الجمعة 26 يوليو 2024
الصحافة العربية بين الماضي والمستقبل (1)
الجمعة 26 يوليو 2024

عندما وجه نادي روتاري السيف دعوة لكي أختار موضوعًا أتحدث فيه، لم يكن لدي عنوان واضح يقلقني مثل ذلك العنوان الذي طالما تراءى لمخيلتي ككابوس “الصحافة العربية بين الماضي والمستقبل”، وافقت على مضض وأنا مازلت أعيش الماضي بكل ما فيه من تقاليد رغم الألم، وسعادة رغم الإخفاق، وتفوق رغم الحرب الضروس. اخترت الحاضر لأنه مازال متجسدًا أمامي، بشخوصه وذكائه الاصطناعي، وتكنولوجيته الفائقة، وعوالمه الافتراضية، ولكن الرئيس السابق للنادي الصديق العزيز أسامة معين ارتأى أن يكون المستقبل هو أحد شقي الرحى في العنوان العريض للمحاضرة.

لضيق الوقت ربما، وربما لبشاشة الطالع، وافقت على الحضور وتوجهت إلى فندق لو ميريديان سيتي سنتر، حيث الجمع المُنتقى، والجمهور النوعي، والتعامل المثير. بدأت الدكتورة سمر الأبيوكي الإعلامية القديرة بالتقديم رغم أنه كانت من بين الحضور اثنتان من طالبات الجامعة الأهلية، عاتقة الشجار طالبة الماجستير في الإعلام والعلاقات العامة، وزهرة الصياد الحاصلة على بكالوريوس الإعلام والعلاقات العامة من “الأهلية” أيضًا. كان الحديث عن الماضي مفعمًا بالروح التي كانت، والانضباطية التي توجه، والانتشار الواسع للصحافي والممثل و”المطرب العاطفي” رغم محدودية وسائل النشر. كان الصحافي أكثر تأثيرًا، وأوسع وعيًا، وأدق أداءً، وكان المتلقي متابعًا جسورًا، ومخلصًا وفيًا، ومرابطًا عنيدًا عند بائع الصحف من بعد صلاة الفجر وحتى منتصف النهار، منتظرًا كاتبه المفضل ورسامه الكاريكاتوري البارع، والحدث الوطني الكبير. كان التلفزيون لا يقبل المكالمات إلا من الموهوبين المحترفين، ويطرد الدخلاء، وكانت وسائل الاتصال الاجتماعي حقيقية وليست افتراضية، لذا كان التأثير مضمونًا لأن الصحافي كان صادقًا ومحايدًا ونزيهًا، تحكمه القوانين والعادات والتقاليد وأصول المهنة وشرف الكلمة.

صحافة المستقبل.. لا مستقبل لها، لأن حاضرها على اتساع وسائل التعبير، وعلى امتداد انتشارها، وعلى حيوية الآليات الإلكترونية المعتمدة، إلا أنها الفوضى التي حدثت بدخول ما يسمى بالصحافي الافتراضي، أو المواطن الصحافي حسب التعبير الجديد لمفهوم من يشتغل بمهنة المتاعب، رجل الشارع العادي أصبح وسيلة اتصال مصدقة، من عابر سبيل على دراجة نارية هو ذاته صاحب أفضل صورة “ترند” على المواقع الإلكترونية، وهو نفسه مُصدر شائعة غير مكتوبة باحتراف أو إتقان أو لغة عربية سليمة لتصبح حقيقة دامغة يتناقلها البسطاء، ولا يتم عقابهم على أخطائهم أو خطاياهم.

الإعلام في العالم الماضي كان مسؤولاً، وكان مصدر الخبر أو المعلومة واضحًا، وكانت آلية الكتابة على أعلى مستوى مهني وبلاغي، لذا كان الانتشار على محدوديته أوسع، والمادة المكتوبة أكثر تأثيرًا، والمشهد التلفزيوني يحاكي الأسرة والمجتمع، والأغنية العاطفية أو الحماسية أو الدينية يعيش قصصها الناس، ويتداولها الشباب، ويتغنى بها المارة، و.. للماضي بقية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية