العدد 5583
السبت 27 يناير 2024
banner
مساجينُ التلفون!
السبت 27 يناير 2024

تبدو حالة أولئك المساجين جليّة في مجموعة سلوكياتهم التي ينعدم فيها التَّحكم بمُعدَّلات استخدام الشبكة العنكبوتية في التسوق الإلكتروني التي وفرّت قضاء الساعات الطوال في التنقل بين المحال التجارية، وسهلّت الوصول لتلك المتاجر وتوصيل كمّ المُشتريات إلى الزبائن في منازلهم، كذلك توسعّها لمساحة العلاقات الاجتماعية الافتراضية التي أفقدتهم التفاعلات الشخصية وحصرتها على باقات التهاني وعبارات التعازي، وبحثها أيضاً عن ثروة البيانات الضخمة والمعلومات المُتاحة التي عطلت أركان الحياة الشخصية والاجتماعية، علاوة على إهدار أوقاتها على ألعاب الأونلاين التي تسبَّبت في تدمير حياتهم وانعزالهم وتدهور علاقاتهم وانخفاض أدائهم الذي أهملوا فيه واجباتهم وانكفأوا عن حقوقهم بعد أنْ مكنهم هذا الجهاز الصغير من تغيير الطريقة التي يعيشون بها ويتفاعلون معها في قضاء الساعات الممتدة في التصفّح.
لقد أطاح هذا الجهاز الذكي – بما احتواه من برامج وخدمات لا حصر لها – بكل مشاعر الدفء الأسري التي أوقعت كل فرد من هذه الأسرة أو تلك أسيراً مُنزوياً يحدق لشاشاته ويتصفح لوحاته لأوقات مُتواصلة في زوايا منزله الذي لم يعد كما كان ملاذاً آمناً لقضاء أجمل الأوقات، بل امتدّ وهج مخاطره على تباين سلوكياتهم المُضطربة المؤدية لطلاقهم العاطفي المضطرب وهزال تواصلي منقطع مع المحيط المُعاش، ولاسيّما على الأطفال الذين تصاعد قلقهم واكتئابهم وعزلتهم وقلة أنشطتهم البدنية وزيادة أوزانهم وانسحابهم عن العلاقات الاجتماعية الطبيعية وتأثيرها السلبي الذي أوقعهم في فخ التأخر الإنتاجي وتدني الكفاءة وسط أجواء طاردة إلى ساحات التنمر والتحرّش والتصيُّد والنّصب واضطراب الهوية الثقافية في فناء الملعب الإلكتروني المرعب الذي حوَّل المنازل إلى مواقع إيواء بدلاً من أنْ تكون منابع احتواء.

نافلة:  
يأتي الاحتفال بالإنجازات المُتَحَققة التي يُديرها الوالدان بحنكة، وزيادة الفعاليات العائلية وغرس الأهمية المُتَعَاظِمَة لتوظيف الجهاز "الذكي" بأنواعه وتصنيفاته في الاستكشاف المعرفي والبحث العلمي؛ هي لبّ ما يتركه أثرها الفاعل في نفوس الأبناء عبر التّسلح بالقيم الفاضلة، وزيادة فترات الحوار الإيجابي وتكثيف فقرات الاحتواء العاطفي الذي تُحدّد فيه الأوقات وتُخطط له الساعات ويُراقب خلاله المحتوى بما يُشعرهم بأنّ الأمّ والأب يقفان لجانبهم فيتلمسّان احتياجاتهم ويشعرانهم بالتعاضد الأسري، ويرصدان تغيرات سلوكهم ويقيسان تقلّبات صحتهم سعياً لعلاجها ومنع تفشيها بعيداً عن قضبان سجنهم الاختياري!.

كاتب وأكاديمي بحريني


 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية