مجرد فيتو متوقع بمنع وقف النار في غزة، النار ستظل موقدة إلى الأبد الأميركي المبين، إلى ما لا تُحمد عقباه ويذكرنا بـ "الرعاة الأولين". فيتو أميركي ضد السلام في مجلس الأمن، ضد الحياة في فلسطين، فيتو بنعم الكبيرة على قتل الأطفال جنوب وشمال غزة، وسفك الدماء في خان يونس، ومساواة البلاد بالأرض في موقع قناة "بن جوريون" المزعومة.
سندباد المساعدات للقطاع أصبح غير قادر على الترحال بمفرده، حيث عشرات الشاحنات تنتظر بقلق في رفح المصرية، وعشرات الطائرات تحوم في سماء العريش مستعينة بالحذر والدعاء من سوء المنقلب. هي الحالة على الحدود مع غزة، وهي الأجواء مع كل من يتعاطى مع قضية الشرق الأوسط، وهي في الوقت ذاته معادلات صعبة تحكم العملية ما بعد العسكرية، والتي لم تعد ترقى حتى الآن لعملية سياسية تعود إلى هدنة مؤقتة قادمة يتم من خلالها تبادل فريد من الأسرى والمحتجزين على قاعدة "الكل مقابل الكل"، هكذا يشدد أهالي الأسرى الإسرائيليين، وهكذا يحاولون وضع نتنياهو في ورطة إضافية إلى جانب محاولات احتجازه للتحقيق في مخالفات وجرائم وخروج عن النص الإسرائيلي المزعوم.
"الكل مقابل الكل" في عرفنا كعرب، كل الأسرى مقابل كل المحتجزين في السجون الإسرائيلية، هو تمامًا ما يضع "العقدة في المنشار"، أي أن المعادلة الصعبة ستشهر سلاحها الممتنع الرهيب في وجه أي اتفاق هدنة مستقبلي على الأقل في الوقت الراهن، هو ما يبشر باستمرار الكر والفر شمالاً وجنوبًا بين العسكر الإسرائيليين والمقاومين الفلسطينيين إخفاء لأسرى، وعرقلة لما يطلق عليه بتحرير "الجزء" مقابل اللاشيء. هنا يتضح الفيتو الأميركي ومغزاه، الامتعاض الأممي وضحاياه، والمشهد الملتبس وسلامة مبتغاه، وهنا يصبح لأي اتفاق وشيك على أي مستوى سياسي غير قابل للاستئناف تحت أية ذريعة أو للتمييز بين غث من هناك وسمين من هنا.
على الجانب العربي سيظل مبدأ "حل الدولتين" متداولاً لإراحة الضمير من التأنيب المؤلم، ويظل الوقف المؤقت للقتال في قطاع غزة بمثابة هدنة من التفكير في مرحلة ما بعد الهدنة.
ستة أيام حلمنا فيها بـ "هدنة دائمة"، بـ "استراحة محارب" لعل وعسى، بـ "جنات تجري من تحتها الأنهار" لو استمر القتال واستقبلنا مزيدا من الشهداء مع كل طلقة غادرة، وكل كآبة عابرة. الفيتو الأميركي جاء ليؤكد أن حربنا ليست مع إسرائيل، وأن المخاوف العربية من الدعم الأسطوري "لبطل من ورق" لم يعد مجرد تصريح سياسي، ولا تهديد حماسي، ولا موقف عابر للحدود من أجل ذر الرماد في عيون الأميركيين الداعمين للعدوان.
أكثر من شاشة فضائية ومن بث مباشر أطلق على الهواء مباشرة فكرة ألا تكون الإبادة جماعية للشعب الفلسطيني في غزة، وأن التدرج في خنق القطاع شمالا وجنوبا ووسطا يأتي ضمن ثقافة "الموت الرحيم" الذي أطلقته جياد السباقات الطويلة عندما يفشل الحصان الرابح في بلوغ خط النهاية بسلام.
المشكلة أن لا صوت يعلو فوق الفيتو الأميركي، ولا تنديد مقابل الوضوح الغربي أكثر مما أطلقناه على مضض وفي غاية الخجل بعد الجلسة الختامية لمجلس الأمن، أننا مازلنا مع وهم "الدولتين"، وأننا سوف نطالب بهدنة أطول من التي لم تسفر إلا عن مزيد من القتل وسفك الدماء وتشريد أمة مشكلتها أنها حاولت الدفاع الشرعي عن النفس في وقت يمنعون فيه أي دفاع شرعي عن النفس.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية