العدد 5531
الأربعاء 06 ديسمبر 2023
عن الحياة الدينية والثورات التقنية
الأربعاء 06 ديسمبر 2023

هل باتت الحياة الدينية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، رهنا بالتطورات التقنية المعاصرة، وفي المقدمة منها الثورة الرقمية؟ هذا التساؤل العميق، هو محور كتاب المفكر المصري نبيل عبدالفتاح، صاحب الرؤى السيسيولوجية المعمقة، والذي يتساءل فيه عن عالم ما بعد الإنسان وتطوراته المذهلة. يقطع المؤلف بأن الثورة الرقمية – وتطوراتها فائقة السرعة - لعبت دورا مركزيا في تشكيل الحياة الدينية الرقمية، لاسيما مع اتساع نطاق الجموع الرقمية الغفيرة، تلك التي كسرت احتكار الفاعلين الدينيين الفعليين في الخطاب حول المقدس – تعالى وتنزه – والسرديات التاريخية التفسيرية والتأويلية والإفتائية والدعوية باسم الدين والمذهب.
ما الذي جرى على وجه الدقة في هذا السياق؟ باختصار غير مخل، دخلت الجموع الفعلية والرقمية الغفيرة كفواعل جديدة مع الفاعلين الدينيين في الواقع الفعلي، من خلال الخطابات حول الدين، المرئية منها كالحال مع الفيديوهات القصيرة والصور، وكذا المكتوبة من المنشورات والتغريدات، ومعها طوفان من التسطيح والتبسيط، وبعض الأكاذيب والادعاءات في سرديات وجيزة وهجينة بين العامية وبعض الفصحى الركيكة أو المهجورة. وتحولت الجماهير الغفيرة من الفعلي إلى الحياة الرقمية، وظهر معهم أيضا الفاعلون التقليديون، وسياسة الخطاب الديني لديهم بحثا عن الذيوع وبناء المكانة الرقمية والحصول على المال من الشركات الرقمية الكونية.
وقد بات الجدل حول التدين محمولا على العنف وثقافة الكراهية، والبحث عن التماسك الذاتي، والدفاع عن الهوية الدينية يمثل سمة رئيسية، ومعه ظهور متنام للخطاب النقدي لهذه السرديات الوضعية التاريخية. هذه الظواهر الرقمية الجديدة، بحسب الكاتب، تعكس جدل الفعلي والافتراضي في أنماط التدين السائد، وأيضا في التفاعل بينهما، وفي الانتقال من الفعلي إلى الرقمي. دخل أيضا بعض رجال الدين، ودعاة الطرق – وفق تعبير طه حسين – والسلفيين إلى المجال العام الافتراضي، بحثا عن المزيد من الشهرة والمكانة، دونما تجديد في فكرهم النقلي، وقلة لجأت – تحت وطأة ضغوط الواقع السياسي المقيت والمحاصر - إلى بث الآراء على الواقع الافتراضي، ومنهم القرآنيون، وأيضا بعض الأديان غير السماوية كالبهائية، ومعهم شهود يهود وآخرون. إن هذا التغيير التقني الرقمي، سيساهم في الأنسنة الروبوتية، والذكاء الاصطناعي، والتحول إلى ما بعد الإنسان، إلى أن تحولت في الحياة الدينية للجموع، والفرد في المستقبل، وهو ما سيشكل تحديا كبيرا، وصعبا للسلطات الدينية الرسمية، والسياسة الدينية الرسمية، والجماعات الدينية السياسية والسلفية. في ضوء هذه التحديات وأسئلتها، ومدى استجابة السلطة الدينية الرسمية لها سيتحدد مستقبل أنماط التدين الشعبي الوضعي السائدة، والموروثة في بلادنا.
هل تشكل الثورة الرقمية ظواهر سوسيو- نفسية على الشبكات الاجتماعية؟
يحتل هذا التساؤل حيزا واضحا في فكر المفكر العضوي المصري نبيل عبدالفتاح، والذي يقطع بأن الثورة الرقمية فائفة التطور أدت إلى بروز ظواهر سوسيو – رقمية وسياسية وثقافية، ودينية، وارتبطت بانفتاح واسع المدى للمجال العام الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، وخطاباتها المليارية، بطول الحياة الرقمية وعرضها، فظواهر بعضها رقمي بامتياز، وبعضها الآخر انتقل من الحياة الكونية الفعلية – متعددة الأديان والمذاهب والثقافات والأعراق والقوميات - إلى الحياة الكونية الرقمية الموازية التي تحولت إلى منصات كونية عابرة للمجالات العامة في دول العالم، ومجتمعاته المتعددة.
يُظهر المؤلف كيف أن ظواهر رقمية جديدة تتشكل، وتتغير في سرعة فائقة مع الحياة الرقمية، ومن ثم بدت مهمة للتحليل السوسيولوجي وفروعه، وحقوله المعرفية التي استقرت نسبيا عبر الزمن مع تحول المجتمعات الغربية، وغيرها، في ظل بعض التحولات في المفاهيم، والنظريات، ومفاهيم التحليلي السوسيولوجي، بل والاستقرار النسبي لآلة الاصطلاحات السائدة في هذه الحقول. 

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية


 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية