العدد 4482
الخميس 21 يناير 2021
وصية الإمام شمس الدين للشيعة
الخميس 21 يناير 2021

في مثل هذا الشهر قبل 20 عامًا انتقل إلى رحمة الله تعالى سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان آنذاك، الذي يُعد من بين أهم مراجع الشيعة، ومن أهم أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وقد تميز بالانفتاح على مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية والمعتقدات الدينية والمذهبية، كما تميز بالقدرة على مواكبة الأحداث والتطورات، وجمع بين العقلية الفقهية المجددة، والعقلية السياسية المنبثقة عن الروح الإسلامية السمحة المعتدلة، وقد عمل على التوفيق بين الدين والحداثة، وكانت له جهود متميزة في التقريب بين السنة والشيعة في لبنان.

وفي مقال سابق تطرقت إلى لقاءاتي به عندما زار البحرين وفي بيروت أيضًا حين كنت أتردد عليها بانتظام خلال الفترة من 1995 إلى 2000؛ لحضور الاجتماعات التي كانت تنظمها منظمة العمل العربية، أو للاجتماع بالمسؤولين بالمكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية الذي يتخذ من بيروت مقرًا له، أو للمشاركة في مؤتمرات أو زيارات خاصة.

كان الشيخ محمد مهدي شمس الدين رجلا يحمل بين أضلعه وفي ثنايا وجدانه هَمَّ وطنه لبنان، وهَمَّ أمتيه العربية والإسلامية، وهَمَّ الشيعة، وكان رحمه الله كثير الحديث عن العبر والدروس التي تمخضت عن المحنة التي كابدها لبنان أثناء وبعد الحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا، كما كان يتحدث بإسهاب عن إيمانه بنظام الدولة المدنية، وعن عدم اتفاقه مع فلسفة وتوجهات الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني في إيران، وكان يقف ضد مبدأ تصدير الثورة الذي تبناه النظام الإيراني، ولم يكن يؤمن أو يقبل أو يتقبل نظرية “ولاية الفقيه”، بل كان من أبرز من تصدى لها، بعد أن أدرك أنها مجرد وسيلة لتركيز السلطات الفقهية والتشريعية والتنفيذية والقضائية في يد فقيه واحد، ووجدها بدعة تتعارض مع أبرز أصول الفكر الشيعي الإمامي، وتجافي أساسياته التي تتمثل في تنوع الاجتهاد ومرجعياته وتعدد الفقهاء والمجتهدين الذين يختلفون وقد يتناقضون في رؤاهم وأطروحاتهم، كان في المقابل يؤمن بـ “نظرية ولاية الأمة على نفسها”.

ولم يكن شمس الدين راضيًا عن النفوذ والوصاية السورية على القرار اللبناني، ورفض الوقوف إلى جانب سوريا في الحرب التي شنتها مع حركة أمل الشيعية ضد منظمة التحرير الفلسطينية، والتي عرفت بحرب المخيمات، كما عارض رحمه الله النهج الذي اختطه حزب الله في لبنان منتقدًا تدخل إيران في الشأن اللبناني؛ ما جعله عرضة للكثير من الأذى والإساءة والتجريح والتنكيل.

وقد انتهز الشيخ محمد مهدي شمس الدين فرصة زيارته للبحرين في نهاية التسعينات ليؤكد رسالته ونصيحته لشيعة البحرين بأن يستفيدوا ويتعلموا من كارثة لبنان، وأن يحرصوا ويحافظوا على الوحدة الوطنية في بلادهم، ويحذروا من المزايدين ومن التدخلات الخارجية، ويتجنبوا الانزلاق إلى هاوية الإرهاب بأي شكل من أشكاله، ويبتعدوا عن التقوقع والتمترس الطائفي، ويندمجوا في مجتمعاتهم، ويحرصوا على تأكيد انتمائهم إلى وطنهم وولائهم له قولًا وعملًا.

في مثل هذا الشهر وقبل 20 عاما، وهو على فراش الموت في أحد مستشفيات باريس، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بأسبوعين، أخذ الشيخ محمد مهدي شمس الدين يملي “وصاياه” التي تضمنت وصية قصيرة لكنها جامعة ومعبرة، موجهة إلى “الشيعة” كما وصفها هو بنفسه، أساسها الدعوة إلى وحدة الأمة وتكاتفها، وقد كرر وأكد في وصيته بعض ما قاله في البحرين؛ أنقلها دون أي تصرف ودون الحاجة إلى أي تقديم أو تمهيد.

قال رحمه الله: أوصي أبنائي وإخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وألا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وألا يخترعوا لأنفسهم مشروعًا خاصًا يميزهم عن غيرهم؛ لأن المبدأ الأساس في الإسلام - وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت عليهم السلام - هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز.

وأوصيهم بألا ينجروا وألا يندفعوا وراء كل دعوة تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات.

إن هذه الدعوات كانت وما تزال شرًا مطلقًا، عادت على الشيعة بأسوأ الظروف. الشيعة يحسِّنون ظروف حياتهم ومشاركتهم في مجتمعهم عن طريق اندماجهم في الاجتماع الوطني العام، والاجتماع الإسلامي العام، والاجتماع القومي العام، ولا يجوز ولا يصح أن يحاولوا - حتى أمام ظلم الأنظمة - أن يقوموا بأنفسهم وحدهم وبمعزل عن قوى أقوامهم بمشاريع خاصة للتصحيح والتقويم؛ لأن هذا يعود عليهم بالضرر ولا يعود على المجتمع بأي نفع. وقد جرت سيرة وسنة أهل البيت (عليهم السلام) على هذا النهج.

وقد ظهرت في العقدين أو العقود الأخيرة من السنين ظاهرة في دائرة الشيعة العرب بشكل خاص، وبدائرة الشيعة بوجه عام، وهي إنشاء تكتلات حزبية سياسية بوجه خاص لغرض المطالبة بحقوق الشيعة، أو إظهار شخصية الشيعة، أو الدفاع عن حقوق الشيعة. وهذه التكوينات - بحسب رصدنا لما آلت إليه - لم تؤدِّ إلى أية نتيجة تذكر، بل أدت إلى كثير من الأزمات، وعمقت الخوف والحذر وسوء الظن والتربص في أنفس بقية المسلمين في المجتمع من طائفة الشيعة، وسعت نحو عزلهم بشكل أو بآخر عن الحياة العامة وعن التفاعل مع نظام المصالح العامة.

هذه التكوينات - تارة يراد لها أن تكون تكوينات ثقافية محضة، وهنا يجب ألا يغلب طابع المذهبية التمايزية، وإنما يجب أن تنطلق من رؤية وحدوية إلى الأمة، تعتمد على الجوامع المشتركة - وما أكثرها - التي تجمع المسلمين فيما بينهم ولا تركز على خصوصيات التمايز وعلى خصوصيات التباين، وإما أن تكون تجمعات سياسية أو اقتصادية، وهذا أمر لا يجوز في نظرنا أن يتم بوجه من الوجوه على الإطلاق”. انتهى النص المنقول.

وقد أملى شمس الدين وصاياه بعد قرابة عامين من زيارته للبحرين وبعد استيعابه للحالة البحرينية، أملاها وهو على فراش الموت، يستعد إلى لقاء ربه، لا يبتغي من وراء ذلك سوى مرضاة الله وراحة الضمير، وقد أثبتت الأيام والأحداث فيما بعد كم كان شمس الدين حصيفًا وبصيرًا ومحقًا، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .