العدد 4148
السبت 22 فبراير 2020
الضمير والتَّيقُّن واليقين في فلسفة فكر الأمير
السبت 22 فبراير 2020

حينما تبلورت فكرة تأسيس اليوم العالمي للضمير بمبادرة إنسانية عظيمة من رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، مُؤكِّدا عظمتها وكِبر مقامها المدير العام المساعد بمنظمة اليونيسكو نيكولاس كاسيانيديس في اجتماعِه المُوَفَّق في شباط فبراير 2020 مع الشيخ حسام بن عيسى آل خليفة في مقر المنظمة في باريس بجمهورية فرنسا، ليكون يومها الاحتفالي التاريخي الأول عالميا في الخامس من نيسان أبريل 2020، مجسدا استعداد وانطلاق الضمير قبل وبعد تبني الأمم المتحدة للمبادرة الكبيرة، ومُخترِقا برامج الأمم المتحدة التنموية ومُتربِّعا في آفاق أهدافها، يَشُدُّها نحو الأرض مُجَذِّرا إياها تستقي حياةً ونماءً للاستدامة والبقاء. 

المتتبع للسيرة الفكرية الناضجة والعُمْق الإنساني لسمو الأمير حفظه الله، سينبهِر بما سيراه متجددا في النهج الفكري المتعمق والعميق الذي ينهجه سموه، فهو مدرسة فكرية حقيقية مُؤثِّرة في عمق الضمير الإنساني والاجتماعي وفي عمق التاريخ العملي، وهو شجرة أصيلة تؤصل لغاية الإخلاص واليقين وثمرة اليقين وعلم اليقين وعين اليقين وأعلى درجات اليقين حق اليقين، فحينما اختطت يداه الكريمتان اليوم العالمي للضمير، انطلقت أجمل رواية إنسانية تَحكي فلسفة الإيمان والفكر والنور والتنوير، وتُسابِق الزمن لتُعين الضمير وتُنير الضمير وتُرشِد الضمير إلى طريق الحق والإخلاص والخلاص، رواية تروي بمائِها العذب ينابيع الحياة، وتُجَسِّدُ أروع قيم السخاء، وتبني شموخا مُزلزِلا للشك يُسَطِّرُه التَيَقُّن باليقين، وتُنير الكون ضياءً بألوان طيفٍ يُشكِّلها الضمير، وتُحَلِّق بالروح في رحاب الحقيقة والصدق والحياء لحياة مُلهِمَة للمتقين.

يقول الامام عليٍّ عليه السلام (الإيمان شجرة أصلها اليقين وفرعها التُقى ونورها الحياء وثمرها السخاء)، ويقول عليه السلام (غاية اليقين الإخلاص، غاية الإخلاص الخلاص).

من الشواهد الجميلة في فلسفة فكر سمو الأمير، التي تُحقِّق مصداق الحكمة في غاية اليقين الإخلاص؛ هو التَّيقُّن أنَّ الخلاص هو غاية الإخلاص، وهذه سلسلة فلسفية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالضمير وبالمعنى الحقيقي للضمير، ولا يمكن الخلاص من كل ما يُعكِّر صفوة ونقاء شجرة الإيمان في النفس من غير تغلغل الضمير، فالضمير كيان ذات وأداة إحساس وشعور تأثيرية، وقدرة تفكير بِحكمةٍ متجردةٍ من الغلو والغرور، والضمير غاية التَّيقُّن بوجود الطريق المُمَهَّد للنجاة وللعبور.

“فنِعِمَّا الرَّجُل الأمير، وفِكرُه المستنير، وثمرُه السخي الوفير لكل محتاج ومُعسِر وفقير”.

“والصِّدْق يلوذ به أينما ارتَحَلْ، وعادَ وتَرجَّلْ، وتَوَقَّفَ وأَكْمَلْ، وفَكَّرَ وتَأَمَّلْ، وتَصَدَّقَ وبَذَلْ، وحَدَّثَ فتَجَمَّلْ”.

والحديث هنا في هذا المقام المقارن التحليلي عن ماهِيَّة الضمير من منظور اختلاف وصراع الفلاسفة والمفكرين وفقهاء الفكر اللاهوتي وعلماء النفس، الذي يشوبه جزء كبير من التباين والتراجع والتغيير بين تواتر الأزمنة، أمر مهم للغاية التنويرية في فَهْم الاختلاف في المعتقد الفلسفي والفكري، ومقارنته ومقاربته أيضا بفلسفة فكر سمو الأمير حفظه الله في الضمير الحِسِّي الإنساني، فمنهم من يراه كيانا ذاتيا ضروريا للحفاظ على ديمومة وحياة البشر، ومنهم من يراه أحد المشاكل النفسية المتضادة فطريا، ذو صناعة إنسانية تأثرت بظهور الأديان والتحضر والأخلاقيات المجتمعية لِلَجْم الملذات الفطرية كما يراها الفيلسوف “نيتشه”، ويؤيده فيها الفيلسوف “إيمانويل كانط” في معتقد صراع الذات مع الملذات، إلا أن “نيتشه” تَراجَعَ في نهاية حياتِه وأوعز للضمير في قوة عقلانيته الخاصة بغض النظر عن الأخلاقيات المجتمعية أوالسائدة.

ويُحلِّل ويُعرِّف علماء النفس الضمير بماهيات متعددة ومُشوِّشة للفكر وللعقل بين تحكم الأنا العليا واستقلاليتها وعدوانيتها وتنامي عدوانيتها ضد الأنا الذات في ارتكاب الذنب كما يعتقد عالم النفس “سيجموند فرويد” مُقَسِّما الأنا إلى نوعين كما سبق؛ الأنا العليا والأنا الذات، متراجعا عن رأيِه أيضا في نهاية حياته موعِزا بقدرة المحيط المجتمعي في التأثير على الأنا العليا للتحكم فيها وتوجيهها وترويضها لتلافي الإحساس بالذنب والضغط وجلد الأنا الذات من أجل رُقي المجتمع حضاريا وثقافيا.

التوجه التقييمي الأمثل نحو الالتزام بمقومات قواعد الوصول للنجاح وتحقيق أهدافه، يُعتبر ضرورة ملحة تُقوَّمُها وتدفعُها فلسفة الضمير في حياة الإنسان الحصيف، ومِن أجمل ما قيل في قانون النجاح الذي صاغه الأديب والشاعر الأمريكي الشهير “ويليام ماثيو” أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة مدينة نيويورك سابقا، هوالتركيز وتسخير كلّ الطاقات نحو هدف واحد والتوجه مباشرة نحو ذلك الهدف دون الالتفات يمنة وشمالا وفي اتجاهات مغايرة ومتضادة، وأن أول متطلبات النجاح هو أن يُسَخِّر الإنسان طاقاته الجسدية والعقلية لحلّ مشكلة واحدة بإصرار وبدون كلل ولا ملل، فالعالم مليء بأُناسٍ مُضطربين ومُشتتين ينتظرون من سيأتي ليحفزهم على النجاح ليكونوا كما يَتَمَنَّوْن لأنفسهم، لكن المشكلة تكمن في صعوبة من سيأتي منقذا للجميع وقد لا يأتي، إلا إذا ارتقت الأنفس واستعدت واستقبلت ورَجَّحَت مُعطيات الضمير، فستتقلص على إثرها فجوة ارتداد النفس وتَمَرُّدها الشيطاني التشتيتي للأولويات بين الأهداف المهمة والأقل فأقل أهمية؛ لأن اتباع مسلك نهج الأوليات الترتيبي هو الطريق الصحيح للنجاح الشخصي التدريجي.

وفي قانون النجاح فرصة تاريخية توثيقية للتفكير بِمُلامسة أهداف جائزة سمو الأمير خليفة بن سلمان للتنمية المستدامة “العالمية”، نحو إمكانية تأسيس مؤشر جديد يحمل قيمة تقييمية للنجاح وفقا للأولويات ونسبة الإنجاز، من ناحية تطبيق العِلم الاكتواري لقياس مستوى الأولويات المتقابلة والمترابطة المختارة وتُوازُنها؛ لأن النتائج الاكتوارية الحسابية ستساعد على إعادة تنظيم مستوى الأولويات المُتغَيِّر، لأجل التحديث حسب القدرة والظروف والموارد وانعكاس الأولويات على المجتمع في تعاطيه وتقبله للتغيير والتطوير، وستُعطي بُعْداً إستراتيجيا تقييميا مُتجددا وتبريريا عِلميا مُقْنِعا لنتائج أهداف التنمية المستدامة التي تُشرف عليها الأمم المتحدة.

والأجمل في فكرة تأسيس مؤشر للنجاح؛ أن تكون نواة لمبادرة عالمية مستقبلية باسم سمو الأمير “ليوم عالمي للنجاح” نظيرا قويا تنافسيا لليوم العالمي للإبداع والإبتكار المُوثَّق في 21 نيسان أبريل، بل النجاح أكثر شمولية؛ لارتباطه بعمق الضمير وبيوم الضمير لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل أكبر عن بقية الأيام المرتبطة بتحقيق تلك الأهداف.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية