+A
A-
السبت 03 مايو 2014
هل سنرى ذلك اليوم الذي تتساوى فيه مكتسبات الصحافي مع نظرائه في بقية السلطات؟
صحافيون أفنوا جل عمرهم في بلاط “صاحبة الجلالة” يعانون التهميش
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف اليوم 3 مايو، نحتفي بالصحافة في عيدها، كعادتنا كل عام منذ أن أعلنت عنه الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1993، وكم هو رائع وجميل أن تحتفل الدولة بالصحافة وأصحاب القلم ممن قدموا عصارة جهودهم في سبيل وطنهم ودفع عجلة الرقي بمجتمعهم، وينم عن وعي الحكومة ويدل على الاعتراف بالجهد الذي تبذله الصحافة والإحساس بالتضحيات التي قدمها قافلة من الصحافيين الشرفاء ممن تحملوا عبء الدفاع عن الوطن وحماية أمنه في أحلك الظروف التي مر بها الوطن.
في هذا الملف طرقنا أبواب نخب صحافية قضت أكثر من ثلاث عقود في بلاط “صاحبة الجلالة”. تحاورنا معهم، وسألناهم:
ما المقابل الذي حققتموه ونجحتم في الحصول عليه نظير عملكم طوال هذه السنين في الصحافة؟
إذا كنتم بالفعل “سلطة رابعة”، فلماذا لا تعاملوا كباقي السلطات الثلاث “التشريعية، القضائية، والتنفيذية” ولو من حيث الامتيازات؟
هل تم تكريمكم من قبل الدولة أسوة بتكريم أعضاء السلطات الثلاث؟
هل حققتم ما يضمن لكم حياة كريمة بعد سنوات من الشقاء في مهنة “البحث عن المتاعب”؟
أسئلة كثيرة توجهنا بها إليهم فماذا قالوا..
الكاتب أحمد جمعة، الذي عمل في حقل صاحبة الجلالة منذ السبعينات وزامل العديد من الكواكب في عالم الصحافة البحرينية أمثال المرحوم محمد الماجد في صحيفة الأضواء، يتحدث بنوع من الحسرة والامتعاض بعد أن أمضى كل هذه الأعوام في هذا الحقل، اسمحوا لي أن أقول صحافيين وليس صحافة، فهناك فرق شاسع!
ويوضح ما هو المقصود فيقول: الصحافة هي صحافيون بشر قبل أن تكون أجهزة وبنايات ومطابع وأحبار وأقلام، يخطئ من يظن أن الصحافة مجرد أجهزة صماء وبنايات حديثة ومظاهر ودعايات صارخة ملوثة بأطناب الكلام المنافق.. كلا، ليست الصحافة تلك، فهذه المواد الجامدة ليست سوى وسائل حيادية تستخدم في الخير والشر وبإمكان المطابع والأقلام أن تصبح وسيلة للخراب، وبإمكانها أن تصبح وسيلة للبناء، ومن هنا أقول إن الصحافة مهنة الشرف لمن يعرف الشرف، ومهنة الخيانة لمن يمتهن الخيانة، ولهذا فالصحافة قبل أن تكون مواد ووسائل وورقا هي ضمير بشري يملك الإحساس بنبض الشارع، ويوغل في الجسارة والشجاعة في الدفاع عن الحق والوطن، ولهذا يصبح الكاتب الصحافي أسطورة التعبير عن الحق مهما تكالبت الضغوط والتهديدات، وحمله القلم بشرف للدفاع عن الوطن والثوابت الوطنية هو المغزى اليوم من الصحافة التي لا أعرفها إلا بأنها الكاتب المقاتل في سبيل الوطن!!
ويضيف: لقد عرفت البحرين خلال المحنة الانقلابية وبعدها كتاباً وصحافيين أعطوا من عرقهم ومن جسارتهم ومن قلقهم ومعاناتهم ما يعطيه كثيرون يتبوءون المناصب العليا في الدولة وفي السلطات الأربع، التي منها السلطة الرابعة الصحافة، التي لم ينل الكتاب والصحافيون ما يستحقونه من الاهتمام من قبل الدولة ما يوازي من ينتمون للسلطات الثلاث الأخرى باستثناء صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء الذي لا يمر فيه يوم ولا مناسبة من دون أن يعطي الصحافيين والكتاب مقدارهم ومكانتهم، ولا يخلو حديث ولا فرصة من الإشادة بالصحافيين والكتاب، وهذا ما عزّى الصحافيين وخفف معاناتهم ودفعهم لمزيد من العطاء، فبعد الذي قدموه وما زالوا للوطن، فإنهم آخر من يأتي في القائمة.
ويطرح جمعة تساؤلا دائماً ما يردده الكتاب، متى يأتي الوقت لنرى الصحافي مثله مثل النائب في الشورى والنواب وبقية المناصب الأخرى؟ هل هو أقل منهم؟ هل عطاؤه لا يساوي عطاءهم؟
هناك من الصحافيين والكتاب من أفنى عمره وضحى بوقته وأسرته وراحته طوال نصف قرن من الزمان، ورغم ذلك ما زال مستمراً، ولكنه لم ينل ما ناله كثيرون من المتفرجين، بل ولم يتوازَ حتى مع ما ناله الخونة والعملاء وأعداء الوطن.
ويتحدث الكاتب جمعة وقد بدا من صوته المبحوح أن الحديث قلّب عليه المواجع فيقول: يتحدثون عن الصحافة بوصفها السلطة الرابعة، ولكنهم يميلون لأرباع الصحافيين والمحسوبين على الصحافيين زوراً وبهتاناً، الصحافيون مكانهم معروف ومواقعهم محددة، وسط الأزمات والأحداث الدامية يذودون عن الوطن وعن الشعب وعن القيادة، لا تهزهم ريح ولا تثنيهم ضغوط ولا تشتريهم ريالات ودولارات، هؤلاء هم السلطة الرابعة بحق وليس أولئك الذين يتمسحون بالمناصب والمراكز باسم الصحافة وهم الهاربون والمتخفون إبان المحن.
وبلغة التساؤل المرادفة بعلامات التعجب يوجه جملة من أسئلة العتاب فيقول: لم نسمع صحافيا واحدا حتى لو قضى نحبه بعد نصف قرن نال ما ناله آخرون في السلطات الثلاث الأخرى، فلماذا إذن نطلق على الصحافة السلطة الرابعة؟
أين تقدير الدولة لهؤلاء
هل سمعتم عن كاتب أو صحافي نال جوازاً خاصاً أسوة بغيره في بقية السلطات؟ فقد فضل بعضهم إبان نصب المشانق في دوار الشؤم الهروب والانسحاب والاستقالة ومغادرة السفينة، حين أطلق خونة الوطن قائمة العار في الدوار وفيها أسماء المطلوبين للمشنقة كانت بكاملها تقريباً للصحافيين والكتاب، فأين تقدير الدولة لهؤلاء؟ الذي حدث خلاف ذلك، فهناك من شرد ومن أبعد ومن مورست الضغوط عليه للتوقف عن الدفاع عن الوطن!!
أليس في ذلك عار على وطن يجلد كتابه وصحافييه؟ ويضيف: وحده من عبر عن مشاعر الكرامة للصحافيين فقال عنهم أروع ما سجله الموقف، وهو رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة عن دور الصحافيين بقوله المشهور دائماً إن الكلمة جامعة لا مجزئة، وموحدة لا مفرقة، وإن على الصحافة أن تنبري لتصحيح الصورة المشوشة التي تحاول بعض وسائل الإعلام رسمها وترويجها عن البحرين، فهذا شأن وطني يخص البحرين.
ويختتم الكاتب جمعة كلامه فيقول: لقد مرت البحرين بمنعطفات خطيرة وتحديات لا مثيل لها تجاوزتها بفضل الله ورجال مخلصين في المجالات والمرافق كافة وفي مختلف القطاعات والمواقع، والصحافة بكوادرها البشرية هي واحدة من هذه المواقع التي دافعت عن البحرين، ويسجل التاريخ أن شعب البحرين هب للدفاع عن وطنه، من رجال أمن وجيش وإعلام ومواطنين والفئات والشرائح كافة، وما الصحافيون إلا شريحة من هذه الشرائح، ولا نريد أن نميزهم عن غيرهم، ولكن بواقع الأمر لا نريد كذلك ظلمهم وبخسهم حقهم.
ننتقل بالحوار إلى الكاتب فريد أحمد حسن، الذي بدأ العمل الصحافي سنة 1980 بدولة الإمارات العربية المتحدة، وشغل خلالها منصب مدير تحرير صحيفة “الفجر” الصادرة في أبوظبي سنة 1986-1987، ثم منصب مدير تحرير مجلة “بانوراما الخليج”، ومن ثم انتقل لصحيفة “الوقت” كرئيس تحرير قبل أن تتوقف عن الصدور في 3 مايو 2010.
يقول حسن: دعني أولا أشكر أسرة تحرير “البلاد” على استضافتي، وأشكركم أيضا على فتح باب النقاش في هذا الموضوع بالذات لأهميته القصوى، فإذا كانت الدولة تعد الصحافة سلطة رابعة، فمن المفترض أن تساويها بالسلطات الثلاث “التشريعية والتنفيذية والقضائية” وما تتحصل عليه من مزايا وامتيازات، ما يستوجب أن تعامل المنتمين إلى السلطة الرابعة معاملة تختلف عن معاملتها لها الآن، دون أن يعني هذا أن الدولة تنظر إلى هذه السلطة بدونية، فللصحافة احترامها ومكانتها وتقديرها لدى الدولة، إلا أن الدولة لم تترجم بعد هذا التقدير في صور يأملها الصحافي، والدليل أن المنتمين إليها لا يحصلون على ما يحصل عليه المنتمون إلى السلطات الثلاث الأخرى من امتيازات لعل أبسطها جواز السفر الخاص.
خط الدفاع الأول
ويضيف: نحن الصحافيون عندما اخترنا العمل في هذه المهنة لم نخترها كي نحصل على الامتيازات، وعندما وقفنا بالمرصاد ضد من أراد بوطننا السوء وحملنا أرواحنا على أكفنا، لم نفعل ذلك كي نحصل على المكافأة أيا كان شكلها، وإنما عملنا من منطلق مسؤولياتنا ووطنيتنا، أما الصحافة، خصوصا الكتاب الصحافيين، فهم كما يصفهم رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة دائما بخط الدفاع الأول، والدولة تدرك أهمية هذا الخط وهذا الدور، إلا أنها - ربما بسبب انشغالها بالتطورات التي تشهدها البلاد منذ ثلاث سنوات - تؤجل التعبير عن تقديرها لهذا الدور الذي قامت وتقوم به الصحافة في هذه الظروف.
أما نحن الصحافيون ولأننا نقوم بما نقوم به انطلاقا من حبنا لهذا الوطن وإدراكا لمسؤولياتنا ودورنا فإننا لا نولي هذا الأمر أهمية كبيرة ولا نطالب الدولة بتكريمنا أو منحنا الامتيازات التي نستحقها، لذا نترك الأمر للدولة التي نرى أنه يكفيها الإشارة لتستعجل فتح هذا الملف ولتبادر بإعطاء الصحافة ما تأمله من امتيازات.
وبنبرة صوت يملؤها شعور ممزوج بالحزن على وضع الصحافيين يتحدث الكاتب حسن الذي بدأ العمل الصحافي سنة 1980، فيقول: التأمين الصحي هو الحد الأدنى من الامتيازات التي يفترض أن ينعم بها الصحافيون، ويكفي أن نقول إن الصحافة هي مهنة المتاعب لنتبين مدى الأضرار الصحية (الجسدية والنفسية) التي يمكن أن يتعرض لها الصحافيون، وفي كل الأحوال فإن هذا الامتياز لا يحتاج إلا إلى قرار على اعتبار أن المنتمين إلى السلطات الأخرى يستفيدون منه، فالتأمين الصحي للصحافيين وزوجاتهم وأبنائهم يدخل في الحد الأدنى من الامتيازات التي ينبغي أن يحصلوا عليها، وليس منطقيا أن تأخذنا الدولة لحما وتنسانا ساعة أن يهن العظم منا ويشتعل الرأس شيبا.
افتقاد أدنى الضمانات
ويضيف: الكثير من الدول تهتم بتكريم هذه الكوادر التي قضت في مهنة المتاعب، أكثر من ربع قرن من الزمان وقدمت الكثير الذي لا يظهر الكثير منه خارج “المطبخ”، والسؤال: ماذا سيكلف الدولة لو أنها حصرت هذه الفئة - وهم في كل الأحوال ليسوا كثرا - ومنحتهم ما يضمن لهم ولأسرهم الحياة الكريمة من بيوت ومكافآت خاصة مستمرة وغير هذا الذي من شأنه أن يحفز من يأتي بعدهم على العطاء وبذل كل الممكن والمستحيل لخدمة هذا الوطن؟
تكريم هذه الفئة يعطي مثالا عمليا عن تقدير الدولة للصحافيين، ويبشر الذين يأتون من خلفهم ألا خوف عليهم وأنهم سينعمون بمستقبل تضمن لهم فيه الدولة ما ضمنته لمن سبقهم.
ويختتم حسن كلامه فيقول: للأسف نحن نفتقد أدنى الضمانات التي تحمي الصحافي وتحمي مكانته الاجتماعية، فلا جهة تتكفل بتغطية تعطله ولو لفترة محددة ريثما يعيد ترتيب أموره، وقد مررت بهذه التجربة شخصيا، فبعد توقف صحيفة “الوقت” عن الصدور في 2010 - وكنت أعمل فيها بصفة رئيس تحرير - تعطلت نحو سنة ونصف السنة، وتعطل إيقاع حياتي قبل أن يتعاطف معي بعض الزملاء والأصدقاء ويرتبوا لي كتابة عمود صحافي ووظيفة إدارية بسيطة لا يشكل دخلهما نصف ما كنت أحصل عليه، ولا أعرف الجهة المعنية بتغطية تعطل الصحافي، ولكن الواضح أن الدولة مارست دورا يماثل دور جمعية الصحافيين، وكأن الأمر لا يعنيها.
في هذا الملف طرقنا أبواب نخب صحافية قضت أكثر من ثلاث عقود في بلاط “صاحبة الجلالة”. تحاورنا معهم، وسألناهم:
ما المقابل الذي حققتموه ونجحتم في الحصول عليه نظير عملكم طوال هذه السنين في الصحافة؟
إذا كنتم بالفعل “سلطة رابعة”، فلماذا لا تعاملوا كباقي السلطات الثلاث “التشريعية، القضائية، والتنفيذية” ولو من حيث الامتيازات؟
هل تم تكريمكم من قبل الدولة أسوة بتكريم أعضاء السلطات الثلاث؟
هل حققتم ما يضمن لكم حياة كريمة بعد سنوات من الشقاء في مهنة “البحث عن المتاعب”؟
أسئلة كثيرة توجهنا بها إليهم فماذا قالوا..
الكاتب أحمد جمعة، الذي عمل في حقل صاحبة الجلالة منذ السبعينات وزامل العديد من الكواكب في عالم الصحافة البحرينية أمثال المرحوم محمد الماجد في صحيفة الأضواء، يتحدث بنوع من الحسرة والامتعاض بعد أن أمضى كل هذه الأعوام في هذا الحقل، اسمحوا لي أن أقول صحافيين وليس صحافة، فهناك فرق شاسع!
ويوضح ما هو المقصود فيقول: الصحافة هي صحافيون بشر قبل أن تكون أجهزة وبنايات ومطابع وأحبار وأقلام، يخطئ من يظن أن الصحافة مجرد أجهزة صماء وبنايات حديثة ومظاهر ودعايات صارخة ملوثة بأطناب الكلام المنافق.. كلا، ليست الصحافة تلك، فهذه المواد الجامدة ليست سوى وسائل حيادية تستخدم في الخير والشر وبإمكان المطابع والأقلام أن تصبح وسيلة للخراب، وبإمكانها أن تصبح وسيلة للبناء، ومن هنا أقول إن الصحافة مهنة الشرف لمن يعرف الشرف، ومهنة الخيانة لمن يمتهن الخيانة، ولهذا فالصحافة قبل أن تكون مواد ووسائل وورقا هي ضمير بشري يملك الإحساس بنبض الشارع، ويوغل في الجسارة والشجاعة في الدفاع عن الحق والوطن، ولهذا يصبح الكاتب الصحافي أسطورة التعبير عن الحق مهما تكالبت الضغوط والتهديدات، وحمله القلم بشرف للدفاع عن الوطن والثوابت الوطنية هو المغزى اليوم من الصحافة التي لا أعرفها إلا بأنها الكاتب المقاتل في سبيل الوطن!!
ويضيف: لقد عرفت البحرين خلال المحنة الانقلابية وبعدها كتاباً وصحافيين أعطوا من عرقهم ومن جسارتهم ومن قلقهم ومعاناتهم ما يعطيه كثيرون يتبوءون المناصب العليا في الدولة وفي السلطات الأربع، التي منها السلطة الرابعة الصحافة، التي لم ينل الكتاب والصحافيون ما يستحقونه من الاهتمام من قبل الدولة ما يوازي من ينتمون للسلطات الثلاث الأخرى باستثناء صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء الذي لا يمر فيه يوم ولا مناسبة من دون أن يعطي الصحافيين والكتاب مقدارهم ومكانتهم، ولا يخلو حديث ولا فرصة من الإشادة بالصحافيين والكتاب، وهذا ما عزّى الصحافيين وخفف معاناتهم ودفعهم لمزيد من العطاء، فبعد الذي قدموه وما زالوا للوطن، فإنهم آخر من يأتي في القائمة.
ويطرح جمعة تساؤلا دائماً ما يردده الكتاب، متى يأتي الوقت لنرى الصحافي مثله مثل النائب في الشورى والنواب وبقية المناصب الأخرى؟ هل هو أقل منهم؟ هل عطاؤه لا يساوي عطاءهم؟
هناك من الصحافيين والكتاب من أفنى عمره وضحى بوقته وأسرته وراحته طوال نصف قرن من الزمان، ورغم ذلك ما زال مستمراً، ولكنه لم ينل ما ناله كثيرون من المتفرجين، بل ولم يتوازَ حتى مع ما ناله الخونة والعملاء وأعداء الوطن.
ويتحدث الكاتب جمعة وقد بدا من صوته المبحوح أن الحديث قلّب عليه المواجع فيقول: يتحدثون عن الصحافة بوصفها السلطة الرابعة، ولكنهم يميلون لأرباع الصحافيين والمحسوبين على الصحافيين زوراً وبهتاناً، الصحافيون مكانهم معروف ومواقعهم محددة، وسط الأزمات والأحداث الدامية يذودون عن الوطن وعن الشعب وعن القيادة، لا تهزهم ريح ولا تثنيهم ضغوط ولا تشتريهم ريالات ودولارات، هؤلاء هم السلطة الرابعة بحق وليس أولئك الذين يتمسحون بالمناصب والمراكز باسم الصحافة وهم الهاربون والمتخفون إبان المحن.
وبلغة التساؤل المرادفة بعلامات التعجب يوجه جملة من أسئلة العتاب فيقول: لم نسمع صحافيا واحدا حتى لو قضى نحبه بعد نصف قرن نال ما ناله آخرون في السلطات الثلاث الأخرى، فلماذا إذن نطلق على الصحافة السلطة الرابعة؟
أين تقدير الدولة لهؤلاء
هل سمعتم عن كاتب أو صحافي نال جوازاً خاصاً أسوة بغيره في بقية السلطات؟ فقد فضل بعضهم إبان نصب المشانق في دوار الشؤم الهروب والانسحاب والاستقالة ومغادرة السفينة، حين أطلق خونة الوطن قائمة العار في الدوار وفيها أسماء المطلوبين للمشنقة كانت بكاملها تقريباً للصحافيين والكتاب، فأين تقدير الدولة لهؤلاء؟ الذي حدث خلاف ذلك، فهناك من شرد ومن أبعد ومن مورست الضغوط عليه للتوقف عن الدفاع عن الوطن!!
أليس في ذلك عار على وطن يجلد كتابه وصحافييه؟ ويضيف: وحده من عبر عن مشاعر الكرامة للصحافيين فقال عنهم أروع ما سجله الموقف، وهو رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة عن دور الصحافيين بقوله المشهور دائماً إن الكلمة جامعة لا مجزئة، وموحدة لا مفرقة، وإن على الصحافة أن تنبري لتصحيح الصورة المشوشة التي تحاول بعض وسائل الإعلام رسمها وترويجها عن البحرين، فهذا شأن وطني يخص البحرين.
ويختتم الكاتب جمعة كلامه فيقول: لقد مرت البحرين بمنعطفات خطيرة وتحديات لا مثيل لها تجاوزتها بفضل الله ورجال مخلصين في المجالات والمرافق كافة وفي مختلف القطاعات والمواقع، والصحافة بكوادرها البشرية هي واحدة من هذه المواقع التي دافعت عن البحرين، ويسجل التاريخ أن شعب البحرين هب للدفاع عن وطنه، من رجال أمن وجيش وإعلام ومواطنين والفئات والشرائح كافة، وما الصحافيون إلا شريحة من هذه الشرائح، ولا نريد أن نميزهم عن غيرهم، ولكن بواقع الأمر لا نريد كذلك ظلمهم وبخسهم حقهم.
ننتقل بالحوار إلى الكاتب فريد أحمد حسن، الذي بدأ العمل الصحافي سنة 1980 بدولة الإمارات العربية المتحدة، وشغل خلالها منصب مدير تحرير صحيفة “الفجر” الصادرة في أبوظبي سنة 1986-1987، ثم منصب مدير تحرير مجلة “بانوراما الخليج”، ومن ثم انتقل لصحيفة “الوقت” كرئيس تحرير قبل أن تتوقف عن الصدور في 3 مايو 2010.
يقول حسن: دعني أولا أشكر أسرة تحرير “البلاد” على استضافتي، وأشكركم أيضا على فتح باب النقاش في هذا الموضوع بالذات لأهميته القصوى، فإذا كانت الدولة تعد الصحافة سلطة رابعة، فمن المفترض أن تساويها بالسلطات الثلاث “التشريعية والتنفيذية والقضائية” وما تتحصل عليه من مزايا وامتيازات، ما يستوجب أن تعامل المنتمين إلى السلطة الرابعة معاملة تختلف عن معاملتها لها الآن، دون أن يعني هذا أن الدولة تنظر إلى هذه السلطة بدونية، فللصحافة احترامها ومكانتها وتقديرها لدى الدولة، إلا أن الدولة لم تترجم بعد هذا التقدير في صور يأملها الصحافي، والدليل أن المنتمين إليها لا يحصلون على ما يحصل عليه المنتمون إلى السلطات الثلاث الأخرى من امتيازات لعل أبسطها جواز السفر الخاص.
خط الدفاع الأول
ويضيف: نحن الصحافيون عندما اخترنا العمل في هذه المهنة لم نخترها كي نحصل على الامتيازات، وعندما وقفنا بالمرصاد ضد من أراد بوطننا السوء وحملنا أرواحنا على أكفنا، لم نفعل ذلك كي نحصل على المكافأة أيا كان شكلها، وإنما عملنا من منطلق مسؤولياتنا ووطنيتنا، أما الصحافة، خصوصا الكتاب الصحافيين، فهم كما يصفهم رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة دائما بخط الدفاع الأول، والدولة تدرك أهمية هذا الخط وهذا الدور، إلا أنها - ربما بسبب انشغالها بالتطورات التي تشهدها البلاد منذ ثلاث سنوات - تؤجل التعبير عن تقديرها لهذا الدور الذي قامت وتقوم به الصحافة في هذه الظروف.
أما نحن الصحافيون ولأننا نقوم بما نقوم به انطلاقا من حبنا لهذا الوطن وإدراكا لمسؤولياتنا ودورنا فإننا لا نولي هذا الأمر أهمية كبيرة ولا نطالب الدولة بتكريمنا أو منحنا الامتيازات التي نستحقها، لذا نترك الأمر للدولة التي نرى أنه يكفيها الإشارة لتستعجل فتح هذا الملف ولتبادر بإعطاء الصحافة ما تأمله من امتيازات.
وبنبرة صوت يملؤها شعور ممزوج بالحزن على وضع الصحافيين يتحدث الكاتب حسن الذي بدأ العمل الصحافي سنة 1980، فيقول: التأمين الصحي هو الحد الأدنى من الامتيازات التي يفترض أن ينعم بها الصحافيون، ويكفي أن نقول إن الصحافة هي مهنة المتاعب لنتبين مدى الأضرار الصحية (الجسدية والنفسية) التي يمكن أن يتعرض لها الصحافيون، وفي كل الأحوال فإن هذا الامتياز لا يحتاج إلا إلى قرار على اعتبار أن المنتمين إلى السلطات الأخرى يستفيدون منه، فالتأمين الصحي للصحافيين وزوجاتهم وأبنائهم يدخل في الحد الأدنى من الامتيازات التي ينبغي أن يحصلوا عليها، وليس منطقيا أن تأخذنا الدولة لحما وتنسانا ساعة أن يهن العظم منا ويشتعل الرأس شيبا.
افتقاد أدنى الضمانات
ويضيف: الكثير من الدول تهتم بتكريم هذه الكوادر التي قضت في مهنة المتاعب، أكثر من ربع قرن من الزمان وقدمت الكثير الذي لا يظهر الكثير منه خارج “المطبخ”، والسؤال: ماذا سيكلف الدولة لو أنها حصرت هذه الفئة - وهم في كل الأحوال ليسوا كثرا - ومنحتهم ما يضمن لهم ولأسرهم الحياة الكريمة من بيوت ومكافآت خاصة مستمرة وغير هذا الذي من شأنه أن يحفز من يأتي بعدهم على العطاء وبذل كل الممكن والمستحيل لخدمة هذا الوطن؟
تكريم هذه الفئة يعطي مثالا عمليا عن تقدير الدولة للصحافيين، ويبشر الذين يأتون من خلفهم ألا خوف عليهم وأنهم سينعمون بمستقبل تضمن لهم فيه الدولة ما ضمنته لمن سبقهم.
ويختتم حسن كلامه فيقول: للأسف نحن نفتقد أدنى الضمانات التي تحمي الصحافي وتحمي مكانته الاجتماعية، فلا جهة تتكفل بتغطية تعطله ولو لفترة محددة ريثما يعيد ترتيب أموره، وقد مررت بهذه التجربة شخصيا، فبعد توقف صحيفة “الوقت” عن الصدور في 2010 - وكنت أعمل فيها بصفة رئيس تحرير - تعطلت نحو سنة ونصف السنة، وتعطل إيقاع حياتي قبل أن يتعاطف معي بعض الزملاء والأصدقاء ويرتبوا لي كتابة عمود صحافي ووظيفة إدارية بسيطة لا يشكل دخلهما نصف ما كنت أحصل عليه، ولا أعرف الجهة المعنية بتغطية تعطل الصحافي، ولكن الواضح أن الدولة مارست دورا يماثل دور جمعية الصحافيين، وكأن الأمر لا يعنيها.
