كان لحرب الخليج أثر سلبي بالفعل على الأسواق والاقتصاد العالمي. فأسعار الطاقة في ارتفاع، والأسهم والسندات في انخفاض، والمستثمرون قلقون. إلا أن السؤال الأهم الآن هو إلى أي مدى سيتفاقم هذا الأثر قبل انتهاء القتال. وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن العديد من المخاطر لا تزال قائمة. فتصريحات دونالد ترامب الحادة، واحتمالية قطع إيران لخطوط الملاحة، والأضرار المحتملة التي قد تلحق بإنتاج الطاقة في منطقة الخليج العربي، كلها عوامل تجعل الوضع أكثر غموضاً.
تتذبذب الأسواق صعوداً وهبوطاً
منذ بدء الحرب، ظلت الأسواق متوترة. وتظهر توقعات جديدة بشكل شبه يومي، ومعظمها يتحول من "سيئ" إلى "سيئ للغاية".
خلال الشهر الماضي، أدت مزاعم ترامب بأن الحرب قد انتهت تقريباً إلى انتعاش مؤقت للأسواق، لكن التأثير كان قصير الأجل وسرعان ما تحول إلى انخفاض.
في الأول من أبريل/نيسان، وجّه ترامب، من البيت الأبيض، انتقاداً لاذعاً لإيران، مصرحاً: "خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة، سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي يستحقونه". كما أكد أن المفاوضات لا تزال جارية. وصرح ترامب أيضاً بأن قرار فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس نفط وغاز العالم، والذي تسيطر إيران جزئياً عليه، يجب أن يُترك للدول الأخرى. وقد زاد هذا من حالة عدم اليقين في الأسواق.
نتيجةً لذلك، ارتفعت أسعار الطاقة منذ بداية الحرب، بينما انخفضت أسعار الأسهم والسندات. في الربع الأول من العام، انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 7.3%. وفي الشهر الذي تلا الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، خسر المؤشر ما يقرب من 8%. وبعد خطاب ترامب في 1 أبريل، تراجعت الأسواق مجددًا. مع ذلك، لو استنتج المستثمرون أن ضررًا عميقًا وطويل الأمد قد لحق بالاقتصاد العالمي، لكان الانخفاض أكبر بكثير.
ارتفاع أسعار الطاقة والبنزين
تُستخدم النفط والغاز الطبيعي والأسمدة في عدد هائل من المنتجات اليومية، لذا فإن أي خلل في الإمداد يؤثر بسرعة على الاقتصاد.
بلغت اضطرابات الإمداد التي لوحظت بالفعل مستويات خطيرة. وإذا طالت الحرب، فقد تصبح العواقب أكثر حدة، بل وقد تؤدي إلى ركود عالمي.
في الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع. وكان هذا المستوى يُعتبر سابقًا مؤشرًا واضحًا على تضخم حاد، ويؤثر سلبًا على شعبية الحكومة. ورغم أن العلاقة بين أسعار البنزين وشعبية الرئيس قد تراجعت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، إلا أن ارتفاع السعر فوق 5 دولارات في عام 2022 شكل تحديًا كبيرًا لإدارة بايدن.
لا تزال الأسعار مرتفعة في الولايات المتحدة حالياً. وقد تؤدي التأخيرات في تكرير النفط وتوزيعه إلى مزيد من الارتفاع. وإذا بدأ المستهلكون في خفض إنفاقهم بشكل حاد، فقد يتباطأ النمو الاقتصادي أو حتى يتراجع.
لقد تبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهج الترقب والانتظار.
وضعت الحرب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في موقف صعب. ففي اجتماعه الأخير في منتصف مارس، أعلن المجلس أنه لن يخفض أسعار الفائدة كما طالب ترامب، مفضلاً تقييم تأثير الحرب على التضخم أولاً.
إذا أدى النزاع إلى فقدان وظائف، فقد يضطر المنظم إلى خفض أسعار الفائدة. من جهة أخرى، تزيد الحاجة إلى مكافحة التضخم من احتمالية رفع أسعار الفائدة. مع ذلك، وبعد تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول التي تميل إلى التيسير النقدي، خفضت أسواق العقود الآجلة توقعاتها بشأن المزيد من تشديد السياسة النقدية.
وفي حديثه لطلاب جامعة هارفارد، صرّح باول قائلاً: "إن سياستنا الآن في وضع مريح يسمح لنا بمراقبة تطورات الأحداث". وهذا يشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي لا يتعجل في اتخاذ أي إجراء، ويسعى إلى الحفاظ على الاستقرار.
من سيعاني أكثر؟
تُساهم الولايات المتحدة جزئياً في تخفيف حدة ارتفاع أسعار الطاقة لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز الطبيعي المسال. إلا أن الوضع بالنسبة للدول التي تفتقر إلى هذه الإمكانيات أسوأ بكثير.
وينطبق هذا بشكل خاص على الدول الآسيوية مثل باكستان والفلبين وفيتنام وتايلاند وسريلانكا، التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة من الخليج العربي.
كما أن أوروبا تتعرض لضغوط أكبر من الولايات المتحدة، حيث لم يتم حل أزمة الطاقة الناجمة عن حرب روسيا ضد أوكرانيا بعد، والنقص الحالي يزيد الوضع سوءاً.
حتى لو قرر ترامب خلال أسابيع قليلة أن الولايات المتحدة قد "بذلت ما يكفي"، فإن أزمة الطاقة لا يمكن حلها من قبل شخص واحد أو دولة واحدة. فقد أظهرت إيران بالفعل قدرتها على التهديد بإغلاق مضيق هرمز. علاوة على ذلك، توجد نقاط اختناق أخرى، مثل البحر الأحمر، حيث يهدد المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن بعرقلة الملاحة. كما تضررت القدرة الإنتاجية في المنطقة بالفعل.
ممّ يخاف المستثمرون؟
يهتم كل من منتجي النفط ومستهلكيه بإنهاء الحرب سريعاً، ولذلك يأمل الكثيرون في سيناريو أكثر سلمية.
في نهاية شهر مارس، قدمت شركة الأبحاث "كابيتال إيكونوميكس" التي تتخذ من لندن مقراً لها، سيناريو أساسياً يفترض انتهاء الحرب سريعاً وعودة إمدادات النفط إلى وضعها الطبيعي. ووفقاً لكبيرة الاقتصاديين العالميين في الشركة، جينيفر ماكيون، فإن احتمالية تحقق هذا السيناريو تُقدر بنسبة 70%.
في هذه الحالة، ستكون الولايات المتحدة في وضعٍ أفضل، بينما ستواجه الدول التي تعتمد على واردات الطاقة خسائر متفاوتة. وتشير تقديرات كابيتال إيكونوميكس إلى أنه في حال نشوب حرب طويلة الأمد، ستكون الولايات المتحدة الأقل تضرراً، بينما قد تواجه مناطق أخرى ركوداً اقتصادياً أو حتى أزمة.
أقرّ صندوق النقد الدولي باستحالة تقديم توقعات دقيقة. ومع ذلك، يُقدّر أن جميع السيناريوهات تقريباً ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي. وستكون الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية الأكثر تضرراً. ويُشدّد الصندوق بشكل خاص على المخاطر التي تُهدّد الأمن الغذائي في البلدان منخفضة الدخل.
الأسواق والشركات
كان تأثير الحرب على سوق الأسهم الأمريكية متفاوتاً. فقدت معظم محافظ الأسهم قيمتها، لكن الشركات في قطاعي الطاقة والدفاع استفادت.
ارتفعت أسهم إكسون موبيل بأكثر من 40% بنهاية الربع، وارتفعت أسهم لوكهيد مارتن بنحو 25%. في المقابل، انخفض سوق الأسهم الأمريكية بشكل عام، وتراجعت صناديق السندات بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، وعانت الأسواق الدولية بشكل أكبر.
لا تزال أرباح الشركات قوية في الوقت الراهن. وإذا استمر الاقتصاد في النمو، فقد يستأنف سوق الأسهم صعوده بفضل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. مع ذلك، تتزايد المخاطر: فقد يتراجع تأثير الذكاء الاصطناعي، وقد تُؤدي التعريفات التجارية التي فرضها ترامب إلى مزيد من الضغوط على الاقتصاد. ومع ذلك، تبقى الحرب التهديد الرئيسي.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |