العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | "الخيال.. طَيْف يتراءى"
الأحد 27 يوليو 2025

الخَيَالُ طَيْف يتراءى، وحالة تعتري المرء لتصور أشياء غير محسوسة وما تشبَّه له في يَقظة ومنام من صورة، وهو حسٌّ باطن بين المعقول والمحسّوس. والخيال لا قيد له، بل هو فُسْحَة حرية وإمكانات لامتناهية.

ومن الخيال يُقال يُخايل ومُخايلة فهو مُخايِل، ومعنى خايلَه الأمرُ أي تراءى في خياله، وبدت صورتُه له. وكذلك تخيُّل هو تأليف صورة ذهنية تحاكي ظواهر الطبيعة، وإن لم تعبِّر عن شيء حقيقي موجود، والتخيُّل الجامح هو تخيُّل يجاوز الممكن والمعقول، وأحيانا يكون الخيال مُمهَّد لقدرة الابتكار والإبداع.

ويُقال عند العرب خيال الطائر أي إذا أرتفع في السماء فينظر إلى ظل نفسه، فيرى أنه صيد فينقض عليه ولا يجد شيئا. والخيال والخيالة ما تشّبه لك في اليقظة والحلم من صورة قال الشاعر؛ فلست بنازل إلا ألمت برحلي أو خيالتها الكذوب.

والخيالات هي التي تحرض عقل الإنسان على الاكتشاف والمغامرة، والتي ممكن تتحول إلى واقع يراه الناس، ولذا التخيل يدفع سعي العقل لتجاوز المشهود والمحسوس، والتأمل في فضاءات ممكنة ومحتملة، خصوصا ما كان منها خارج سيطرة الإنسان في العوالم التي تكون في الإنسان نفسه، وقد تكون في البيئة المحيطة به، أو في الكون الواسع البعيد عنه غاية البعد، وهو شامل الممكن والمحتمل وما يسمى غيبا. والغيب المقصود هنا هو الغيب الذي بحدود الإدراك العقلي وليست التي لا يعلمها إلا الله سبحانه الذي عنده مَفَاتِح الغيب.

الفارابي في كتابة فصول منتزعة، يضفي دلالة على أن التخيل فيه أبعادا زمانية، منها ما هو مُتعلق؛ بالحاضر كتخيل الشيء الذي يُرجى ويُتوقع، وبالماضي بتخيل شيء مضى، وبالمستقبل بتمني شيء يأتي، كما أن التخيل قد يتصل بإحساس مُباشر، كأن يَرَد إحساس من شيء ما، فيتخيل المرء من ذلك الشيء أمرا مُخوفا أو مأمولا، وهذا له أثر في العقل الباطن، ورُبَّما يستولى ويشرق إشراقا واضحا في لوح الحس فيرسم ما أُنتُقش فيه.

في نهاية القرن الثامن عشر حدّدَ إيمانويل كانط، وهو مفكر ألماني في كتابه نقد ملكة الحكم أن هناك نوعين مِن الخيال سماها؛ الخيال المبدع (لا سابق له) والخيال التكراري (له سبق). وكليهما حادثه في عالمنا المعاصر، والتي نأخذ منها مثلا الخيال العلمي، ويُعرّف باللغة الإنجليزية بمصطلح science fiction، ويشار إليه اختصارا” sci-fi” أو” sf". ودلالة المعنى في معجم المعاني؛ أن الخيال العلمي فن أدبي أو سينمائي تكون فيه القصة الخيالية مبنية على الاكتشافات العلمية التأملية، والتغيُّرات البيئية، وارتياد الفضاء، والحياة على الكواكب الأخرى. حيث يخلق المؤلف عالم خيالي، وكون ذا طبيعة جديدة فيه تقنيات متضمنة فرضيات، ونظريات علميه فيزيائية وبيولوجية وفلسفية تتسق مع منظومة الخيال، ويدخل في بعضها ظواهر علمية جديدة وقوانين تتعارض مع القوانين المعروفة سابقا مثل؛ التنقل أو السفر عبر الزمن، والانتقال بسرعة أسرع من الضوء وغيرها.

جذور قصص الخيال العلمي رُبَّما ترجع إلى علم الأساطير، أو الميثولوجيا كالتي عند الكاتب لوقيان السميساطي المولود عام 125م في بلدة سميساط شمال سوريا الذي ألف باللغة اليونانية، قصة حقيقية في القرن الثاني للميلاد، والتي تعتبر أول قصة في الخيال العلمي في التاريخ البشري، وكذلك ما هو في بعض حكايات ألف ليلة وليلة، وكتابات ما ورد عن أبن النفيس في القرن الثالث عشر للميلاد. هذا الفن الأدبي مذكور في حكاية لومويل جوليفر المنشورة عام 1726م للكاتب الإنجليزي جوناثان سويفت، وجوليفر طبيب إنكليزي رحاله، وقصة ميكروميغاس عام 1752م للكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير، وقصة صومنيوم التي كتبها يوهانس كيبلر بين عامي 1620-1630م. وأُعتبر كلا من إسحاق أزيموف المفكر الامريكي الروسي الأصل وكارل ساغان الفلكي الامريكي قصة صومنيوم أول قصة خيال علمي في موضوعها، وهي تصور رحلة إلى القمر وكيفية مشاهدة حركة الأرض من هناك في بحر الخيال واسع وفضاء ممتد لا سقف يحدّه.

ومن الخيال الإلهام الذي يتجلّى في شعر العرب القديم حينما يتمثل في تصوير بيئة صحراوية خشنة ومألوفة في آن، وخيال الشاعر فيها يمرح ويسرح في المجاز والتورية وتَجِسْيد الوصف وكأن مشهد فيه صور حسية حية تجعل القارئ يشعر بحرارة شمس وبرودة ليل ونجوم ولَوْعة طَلَل.

ولنا مثلا في تُمَاضِرُ بِنْتُ عمرو بن الحارث السُّلَمِيَّة التي لها اربعة أبناء شهداء خلدتهم معركة القادسية وفتحها المُبين، والذي قال عنها جرير؛ لولا الخنساء لقلت إني أشعر الناس. ذاع لها رثاء قبل إسلامها في أخيها صخر، وفيه مندوحة خيال عن النجوم قائله؛

فبتُّ ساهرة للنَّجمِ ارقبهُ

حتى أتى دونَ غَورِ النّجمِ أستارُ

أو قولها في توظيف شروق وغروب؛

يذكِّرني طلوع الشَّمسِ صخرًا

وأندبهُ لكلِّ غروبِ شمسِ

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية