اللغة التركية عند الباحثين يتعذّر رصد دقيق عن تاريخ بدايتها، وقد يُقدّر عمرها بما يقارب 5 آلاف سنة. وتعليل هذا عند علماء الآثار الأركيولوجيين يعود أن عائلة اللغات الآلطائية التي تنتمي اليها اللغة التركية له صلة بظهور زراعة الدُّخْن Millet في شمال الصين التي يمتد تاريخها قرابة 8000 عام. وكذلك هذه الزراعة كانت في شرق آسيا في عدة ثقافات متفرقة على مجرى النهر الأصفر، ومجرى نهر Liáo جنوب منجوريا Manchuria، وهذه الثقافات ربما هي مصدر اللغات التي تسمى حاليا الآلطائية Altaic، وأسلاف الأتراك كانوا يقطنوا هناك.
تاريخيا لغة الترك تمرحلت في نموها وانتشارها مع القبائل الناطقة بها، وكذلك اصطلح علماء اللسانيات تسمية اللغات الطورانية(التركية) أنها من الآلطائية، لتشمل أغلب لغات وسط آسيا. أما تسمية الطورانية فهو يعود إلى كلمة فارسية (تُورَانُ) وهي تعني بلاد ما وراء النهر(جيحون)، ودلالتها عند العرب المسلمين هم الأتراك. مختصو علم اللسانيات ذكروا أن اللغات الألطية تضم؛ اللغة التركية والفنلندية والمجرية والمنغولية كما أعتبر معظم الباحثين اللغة اليابانية والكورية منها.
وكذلك الأذربيجانية ولغات التتر والقرغيز والمنغول والأوزبك منها. وهي خلاف اللغات الفارسية والكردية والبلوشية والهندية واللاتينية والسلافية والجرمانية فهي تنتمي إلى اللغات الهندية الأوروبية.
اللغات التركية تتفرع وفق أُسسها الصوتية، وانتماءها الجغرافي، إلى قديمة تحدث بها الأورخان (نسبة إلى أورخان أبن عثمان) أي العثمانيون الأوائل، ومتوسطة تحدث بها القبشاق وخوارزم، وحديثة نراها اليوم في تركيا. وتنقسم التركية الحديثة إلى تركية جنوبية هي التركية العثمانية التي يتحدث بها الأتراك المعاصرون والأناضول والبلقان وكذلك أتراك بلغاريا والبوسنة، وتركية آذرية يتحدث بها الأذربيجانيون، وتركية قشقائية تتحدث بها جماعات جنوبي إيران. أما التركية التركمانية فهي لغة الأقوام التركمانية في تركمانستان والأوزبك والكازاخ، وكذلك في سوريا والعراق وإيران.
طبيعة هذه اللغات أنها لاصقة حيث تعتمد على اللواحق أساسا، وتترابط بتناغم الحروف الصوتية، وهي تخلو من أداة تعريف أو جنس للكلمات مثل مذكر ومؤنث، وحروف الجر فيها لا تسبق الاسم، بل تليه، والصفة تأتي قبل الموصوف، وبالمثل المضاف إليه يأتي قبل المضاف. وتركيبها النحوي يأتي الفاعل في بداية الجملة والفعل في نهاية الجملة.
الدارسون للغة التركية يعتبرون اللغة المحكية الآن هي معظمها لغة السلاجقة الترك الذين دخلوا الإسلام سنة 960م، وخدموا البلاط العباسي، وتأثروا باللغة العربية واللغة الفارسية، وكانت العربية عندهم لغة الدين والقانون والعلم، والفارسية لغة الإدارة المدنية، حينها كانت اللغة التركية لغة منطوقة لا مكتوبة، حيث كتبوا بأبجدية البلد خلال تنقّلهم. والمروي أن السلاجقة حين حط بهم الرحال في الأناضول بعد انتصارهم على الروم في معركة ملاذكرد التاريخية عام 1070م/ 463هـ اعتمدوا الحروف العربية في كتابة لغتهم.
وحينما نشأت الدولة العثمانية كانت اللغة التركية العثمانية هي اللغة الرسمية السائدة، وتداخل فيها اللفظ العربي والفارسي، واعتمدت الحروف العربية في كتابتها، وكانت تُعتبر لغة الدولة والطبقة المثقفة العليا، بينما استمر الشعب التركي العادي في تكلم اللغة التركية الأناضولية التي شكلت فيما بعد نواة اللغة التركية في القرن العشرين. وذلك عند انهيار الدولة العثمانية عام 1923م وتسلم مصطفى كمال أتاتورك قيادة الجمهورية التركية فأعلن عن إنشاء جمعية اللغة التركية، وغايتها الأساسية تطهير اللغة التركية من الكلمات الأجنبية وخصوصا العربية والفارسية، حيث كانت العربية وحدها تشكل نصف الكلمات المستخدمة في اللغة العثمانية.
أتاتورك كذلك أبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينية المستخدمة في أوروبا، وواصل جهده تغيير الكلمات العربية إلى الفاظ تركية أو كلمات من لغات أوروبية خصوصا اللغة الفرنسية لغة الطبقة الراقية في تركيا آنذاك، تزامن هذا مع انتشار المدارس الفرنسية في تركيا، وابتعاث كثير من الأتراك للدراسة في فرنسا. هذا التحول في اللغة التركية وكتابتها أحدث تباين لغوي وكتابي بين الأجيال الأتراك. وأوجد صعوبة تاليا في توجه حكومة العدالة والتنمية حينما أرادوا إعادة تعليم اللغة العثمانية للجيل الناشئ، ليستطيعوا قراءة تراثهم العثماني السابق، ولهذا ظلت اللغة العثمانية نخبوية للأقلية الأدبية.
وبالمثل حصل في أذربيجان حيث أُستبدل الحرف العربي باللاتيني وتبعها كذلك مناطق المسلمين في الإتحاد السوفيتي حيث أصبحت حروفهم شبه سلافية تماثل الروسية وكان هذا في عام 1939م.
عند الباحثين أبجدية اللغة التركية القديمة Old Turkic تُكتب بالخط الأويغوري Uyghur، وهو مشتق من الخط السُّغْدي (استعمل قبل دخول الأتراك الإسلام ق8ميلادي). هذا الخط تأثر بعدة خطوط متنوعة مثل الآرامي والهندي والعربي. كتاب “ديوان لغات الترك” للمؤرخ محمود الكاشْغَرِي الذي كتبة بالعربية عام 1076م، وأهداه إلى نجل الحاكم العباسي المقتدر بالله أثناء زيارته لبغداد، فيه تفاصيل عن قبائل الترك ولغاتهم وأدبهم. ويعتبر أقدم كتاب في هذا الباب يؤرخ لمؤلف تركي.
الإمارة السلجوقية في القرن الحادي عشر ميلادي وحكمت 157عام، برز فيها ظهور الأدب التركي بلغتهم، ولكن لم يكن على تنافسية مع اللغات الأخرى وذلك لاستخدام السلاجقة الفارسية في البلاط واللغة العربية في التآليف والمباحث العلمية والتأليف. ويُلاحظ في تلك الحقبة أن معظم أدب الدواوين الشعرية نخبوي الوجه بالفارسية، وسايره كذلك الأدب الصوفي الذي أخذ زخم مع انتشار الطرق والجماعات الصوفية. أما الأدب الشعبي فقد اصطبغ بالعربي والفارسي.
بعدها يُذكر أن عصر السلطان محمد الفاتح، الذي أتخذ اسطنبول عاصمة للدولة العثمانية بعد بورصة وأدرنه، زهي فيه الأدب والثقافة وإصلاح المدارس، حيث كان الفاتح على دراية بالعربية والفارسية ذكر ذلك كتاب تاريخ الدولة العثمانية للمستشرق الفرنسي روبير مانتران. الأشعار تلك الفترة بعضها أخذ قالب المثنويات كقصة يوسف وزليخا، وهي محاكاة قصة النبي يوسف علية السلام في القرآن الكريم. وهنالك عديد شعراء كتبوا قصة مجنون ليلى أبرزهم الشاعر فضولي المتوفى عام 1556م. أما حكاية خسرو وشيرين فضمتها مثنويات شيخي. ومثلها اسكندر نامة للأديب أحمدي. توازى آنذاك مع كتب المثنويات تآليف انتشرت لاحقا عن المولد أحدها لسليمان شلبي من بورصة سردية السيرة النبوية ولا زال امتدادها إلى اليوم، وكتاب محمدية نزعته صوفية لمؤلفه محمد بيجان.
هذه إطلالة معرفية عن اللغة التركية وحضورها التاريخي وامتدادها الجغرافي، وتداخلها مع اللغات الأخرى، والعربية لغة القرآن فيها لا تبرح في نطقها وأثرها الأزلي.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |