+A
A-

"Toy Story 5".. عندما يصبح الخطر على الطفولة لا على الألعاب

يأتي الجزء الخامس من السلسلة الأيقونية "Toy Story"، والذي حظيت بمشاهدته هذا الأسبوع على شاشات "سينيكو"، لينقل المعركة الرئيسية من فضاء المنافسة التقليدية بين الألعاب نفسها، صوب ساحة أكثر واقعية وحساسية تلامس تفاصيل حياتنا المعاصرة، وهي عالم الأطفال وعلاقتهم الآخذة في التزايد بالشاشات والأجهزة التكنولوجية الحديثة.

وفي هذه النسخة الجديدة، يختار صناع العمل تحويل بوصلة التركيز الفني بذكاء من الثنائي الشهير "وودي" و"باز لايتير" نحو الطفلة "بوني"، لتصبح هي المحور الحقيقي والمحرك الأساسي لمجمل الأحداث؛ إذ تنطلق الشرارة الأولى للقصة مع دخول جهاز لوحي ذكي جديد يدعى "ليلي باد" إلى حياة بوني، في مشهد إخراجي يعيد إلى الأذهان بشكل جليّ ملامح الصراع التاريخي القديم والمنافسة الشهيرة التي دارت بين وودي وباز في الجزء الأول، غير أن الفيلم سرعان ما يتجاوز هذه التيمة ليكشف عمق الأزمة الحالية، والتي لم تعد تتعلق بمجرد مخاوف الألعاب من فقدان مكانتها، بل باتت تتمحور حول التأثير المباشر والعميق لتلك الشاشات البراقة على سلوكيات الأطفال وبنيتهم النفسية.

ويقدم الفيلم من خلال لغته البصرية صورة لافتة وواقعية لعالمنا الراهن، حيث يبدو الجميع بلا استثناء منشغلين بالهواتف والأجهزة الذكية، ومنفصلين تدريجياً عن محيطهم الواقعي وعلاقاتهم الإنسانية المباشرة؛ إذ تظهر بوني وهي تخوض معاناة حقيقية وصعوبة بالغة في بناء صداقات ملموسة على أرض الواقع، وتسعى جاهدة لنيل القبول والانسجام مع زميلاتها اللواتي يسخرن بعقم من اهتمامها الطفولي بالألعاب التقليدية، مما يضعها تحت ضغط نفسي يدفعها إلى إخفاء جزء أصيل من شخصيتها وعفوية طفولتها في سبيل إرضاء الأخريات. هذا الطرح يستعيد في أذهان المشاهدين وبشكل مؤثر السبب الجوهري الذي جعل "آندي" يختار بوني تحديداً لتكون الوريثة الشرعية لألعابه المحبوبة في نهاية الجزء الثالث، والمتمثل في خيالها الواسع وقدرتها الفريدة على ابتكار عوالم قصصية ساحرة، وهو الخيال نفسه الذي يبدو اليوم مهدداً ومحاصراً تحت وطأة التكنولوجيا، ومنصات التواصل الاجتماعي، والرغبة المحمومة في تحصيل الاعتراف الاجتماعي.

ومع ذلك، يبتعد العمل تماماً عن الوقوع في فخ الخطابية أو تقديم نقد سوداوي سطحي؛ فهو لا يتعامل مع التكنولوجيا والشاشات كعدو مطلق ومباشر، بل يطرح رسالة متوازنة وموضوعية تؤكد أن المعضلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام أو تجاهل الآثار الجانبية للعزلة الرقمية، مشيراً إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى وسيلة إيجابية وبنّاءة إذا ما وُظِّفت لبناء جسور التواصل الحقيقي واكتشاف الأشخاص الذين يشاركوننا ذات الاهتمامات والشغف في الحياة. ويحمل الفيلم في جوهره ومضمونه رسالة إنسانية بالغة الأثر عن ضرورة الحفاظ على جذوة الخيال النقي، وحماية الطفل الكامن داخل كل إنسان منا، وعدم التخلي عن الذات الحقيقية والجوهر الفطري سعياً وراء محاكاة الآخرين أو الذوبان في قوالبهم.

ويجمع الفيلم في قوامه الصوتي والبطولي نخبة من كبار النجوم الذين منحوا الشخصيات أبعاداً تعبيرية ممتازة، وفي مقدمتهم النجم القدير توم هانكس، وتيم ألين، وغريتا لي، والذين تحركوا ببراعة تحت الإدارة الإخراجية المتميزة للمخرج والمبدع أندرو ستانتون.