لقد أسهب الباحثون في إثبات تأثير التدخين على الصحة العامة، وهذا ما جعل السلطات الصحية تلزم شركات التدخين بذكر بعض هذه الأضرار على علب السجائر، ولربما أرفقوا ذلك ببعض الصور المقززة التي لربما قد تؤدي إلى امتناع من يعتبر، وإن كانوا قليلين. في نفس السياق وعلى الرغم من عقود من التحذيرات الصحية العامة، لا تزال الكثير من النساء الحوامل والمرضعات حول العالم يقمن بالتدخين سلباً أو إيجاباً باستخدام مختلف وسائل التدخين. وقد رسمت الأبحاث الجديدة صورة أكثر قتامة لكيفية إعادة المواد الكيميائية للتبغ تشكيل مسار الحمل، ونمو الجنين، وسلامة حليب الأم.
ويُطلق أطباء التوليد تحذيرًا موحدًا: لا توجد كمية آمنة من التدخين قبل الحمل أو أثناءه أو بعده، وذلك ردًّا على من يتعرضون للتدخين السلبي أو يدخنون قليلاً أو يستخدمون وسائل حديثة للتدخين مثل “الفيب”.
يصعّب التدخين حدوث الحمل في المقام الأول، ويزيد بشكل كبير من احتمال حدوث مضاعفات بمجرد حدوثه. وتواجه النساء المدخنات مخاطر مرتفعة كالحمل خارج الرحم والإجهاض. عندما تستنشق المرأة الحامل دخان السجائر، فهي لا تدخن بمفردها؛ فجنينها “يدخن” معها فعليًّا. يدخل أول أكسيد الكربون والنيكوتين إلى مجرى الدم ويعبران إلى المشيمة بسهولة ليصلوا إلى الجنين النامي، معرِّضين الجنين لتركيزات غالبًا ما تكون أعلى منها في دم الأم نفسها، وتخلق هذه العملية “نقطة اختناق” للموارد الأساسية، حيث يحدث نقص الأكسجين، فأول أكسيد الكربون يرتبط بالهيموجلوبين بشكل أكثر فاعلية من الأكسجين، كما يؤدي النيكوتين إلى تضييق الأوعية الدموية، ما يحرم الجنين من الأكسجين، وهذان الأمران يؤديان أساسًا إلى نقص حاد في إمدادات الدم للطفل.
ومن المخاطر الأخرى للتدخين أثناء الحمل ما يلي:
- الإجهاض وولادة جنين ميت: يزيد التدخين خطر فقدان الحمل بنسبة تصل إلى 30 %.
- مضاعفات المشيمة: تزيد احتمالية إصابة المدخنات بمعدل 40 - 50 % بمضاعفات في المشيمة وبعضها تكون حالات طارئة تهدد الحياة.
- الولادة المبكرة: يولد أطفال المدخنات مبكرين بمعدل يصل إلى ضعف أطفال غير المدخنات، ما يجعلهم عُرضة لضيق التنفس، ونزيف الدماغ، وتأخرات نمائية مدى الحياة. وتشير التقديرات إلى أن التدخين أثناء الحمل يساهم في 5 – 8 % من الولادات المبكرة.
- انخفاض الوزن عند الولادة: في المتوسط، يُنقص التدخين وزن المولود بمقدار 200 - 400 غرام. وتذكر الإحصائيات أن التدخين أثناء الحمل يساهم في 13 – 19 % من حالات انخفاض الوزن عند الولادة في موعدها. يواجه هؤلاء الرضع ممن يولدون بوزن منخفض مخاطر أعلى للإصابة بالعدوى، وانخفاض حرارة الجسم، ومتلازمة موت الرضع المفاجئ.
- العيوب الخلقية: ارتفاع معدلات الشفة المشقوقة أو الحنك المشقوق وغيرها من التشوهات الهيكلية.
الخبر السار أن الإقلاع عن التدخين في أية مرحلة يحقق فوائد ملموسة، وكلما كان الإقلاع مبكراً في الحمل كانت الفوائد أكبر، لكن حتى الإقلاع في الثلث الثالث أو بعد الولادة يحسن النتائج بشكل واضح. وتشير الدراسات إلى أنه في غضون 24 ساعة من الإقلاع عن التدخين، تنخفض مستويات أول أكسيد الكربون في دم الأم إلى وضعها الطبيعي، ما يزيد فوراً من تدفق الأكسجين إلى الطفل.
التدخين أثناء الحمل ليس مجرد خيار شخصي، بل له عواقب قابلة للقياس وتستمر مدى الحياة على الجيل القادم. ومع وجود أدلة علمية واضحة ومساعدات متاحة، تظل الرسالة من الخبراء الصحيين واضحة: أفضل هدية تقدمها الأم لطفلها هي بداية خالية من الدخان في الحياة.
*أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية