العدد 6436
الجمعة 29 مايو 2026
كيف يفسد التدخين مفعول أدويتك؟
الجمعة 29 مايو 2026

تخيل أنك تلتزم بتناول دوائك بانتظام، وتحرص على مواعيده، وتنتظر النتيجة المرجوة، لكن تتفاجأ أن كل ذلك دون جدوى بسبب شيء ليس في الحسبان إطلاقا. قد لا يخطر ببالك أبدًا أن السبب قد يكون تلك السيجارة التي تشعلها بجانب نافذة المكتب أو في شرفة المنزل. عندما نناقش مخاطر التدخين، عادة ما يتركز الحديث حول سرطان الرئة، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية. ومع ذلك، هناك خطر أقل وضوحاً ولكنه لا يقل أهمية، وهو يعقد علاج الملايين بهدوء: التأثير العميق لدخان التبغ على فعالية الأدوية الشائعة.

في زمن أصبح فيه الطب يعتمد على الممارسة المبنية على البراهين، يكشف العلم الحديث عبر الأبحاث الإكلينيكية عن دور خفي للتدخين في إفشال الخطط العلاجية، فالتدخين ليس عادة سيئة فحسب، بل هو عامل نشط يعيد برمجة طريقة استجابة الجسم للأدوية، ما قد يحول العلاج إلى مجرد هباء منثور لا فائدة منه.
يحتوي دخان السجائر على العديد من المواد الكيميائية، بعضها يؤثر بشكل مباشر على كيفية تعامل الجسم مع الأدوية (حركية الدواء)، وكذلك مفعول الأدوية في الجسم (ديناميكية الدواء). المتهم الرئيسي هنا ليس النيكوتين فقط، بل حتى الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات الموجودة في دخان التبغ. تعمل هذه المواد الكيميائية على تغيير امتصاص الدواء وتوزيعه وكذلك أيضه أو إقلابه، حيث تعمل المركبات سالفة الذكر كمحفزات لإنزيمات متعددة في الكبد، وأبرزها تلك الموجودة في عائلة سيتوكروم  بي ٤٥٠ (Cytochrome P450)، من المعروف أن إنزيمات الكبد مسؤولة عن إقلاب وتكسير الأدوية بشكل عام تمهيداً لطردها من الجسم، فعندما يتم “تحفيز” هذه الإنزيمات أو تنشيطها بشكل مفرط بسبب التدخين، فإنها تعالج الأدوية بشكل أسرع بكثير مما يحصل طبيعياً.

وهذا يعني غالباً أن الدواء يتم إقلابه وتحويله إلى مادة غير فعالة وبعد ذلك طرده من مجرى الدم وتقليل تركيزه فيه قبل أن تتاح له فرصة العمل، ما يتطلب من المدخنين غالباً تناول جرعات أعلى بكثير من غير المدخنين لتحقيق نفس التأثير العلاجي وتجنب فشل الخطة العلاجية. ولضمان حصول المدخن على أقصى استفادة من دوائه توصي هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) بتعديل جرعات الأدوية والمراقبة الدقيقة للخطة العلاجية للمدخن، حيث إنها تؤكد أن التدخين يمكن أن يغير بشكل كبير حركية الدواء وديناميكيته.

فعلى سبيل المثال لا الحصر نورد هنا بعض الأدوية التي قد تتأثر فعاليتها بسبب التدخين:
•    أدوية القلب وضغط الدم: يقلل التدخين من فعالية الأدوية المستخدمة لعلاج ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، ما يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية ويزيد صعوبة السيطرة على ضغط الدم.
•    أدوية تخثر الدم: يزيد التدخين من خطر تكوّن الجلطات الدموية، كما أنه قد يقلل من فعالية الأدوية المستخدمة لمنع التخثر، وقد يؤدي استمرار التدخين لدى المرضى الذين يتناولون هذه الأدوية إلى زيادة خطر حدوث مضاعفات خطيرة مثل النوبات القلبية أو السكتات الدماغية.
•    أدوية السكري: يقلل التدخين من امتصاص الأنسولين عند إعطائه عن طريق الجلد ويزيد مقاومة الجسم له، ما يجعل السيطرة على مستوى السكر في الدم أكثر صعوبة. وغالباً ما يحتاج المرضى المدخنون إلى جرعات أعلى من الأنسولين أو أدوية السكري التي يتم تناولها عن طريق الفم لتحقيق نفس التأثير.
•    أدوية الربو وأمراض الجهاز التنفسي: يؤدي التدخين إلى تلف مباشر في الرئتين ويقلل فعالية أجهزة الاستنشاق والعلاجات التنفسية الأخرى، ما يجعل السيطرة على الربو وأمراض الرئة المزمنة أكثر صعوبة.
•    مسكنات الألم: قد تصبح بعض مسكنات الألم أقل فعالية لدى المدخنين، ما يؤدي إلى ضعف السيطرة على الألم والحاجة إلى زيادة الجرعات اللازمة لتسكين الألم.
•    الأدوية النفسية: تتأثر العديد من الأدوية المستخدمة لعلاج الاكتئاب والقلق والفصام بالتدخين، حيث قد تنخفض مستوياتها في الدم، ما يؤدي إلى ضعف الاستجابة العلاجية أو تفاقم الأعراض.

لا يقتصر تأثير التدخين على تقليل فعالية الأدوية، بل قد يزيد أيضاً من خطر الآثار الجانبية. فالتدخين يقلل وصول الأكسجين إلى أنسجة الجسم ويؤخر التئام الجروح، ما قد يبطئ التعافي بعد العمليات الجراحية. كذلك يزيد التدخين من إفراز أحماض المعدة، ما يرفع خطر الإصابة بقرحة المعدة لدى المرضى الذين يتناولون بعض المسكنات. بالإضافة إلى ذلك، يضعف التدخين جهاز المناعة ويزيد الالتهابات، ما قد يؤثر على استجابة الجسم للعلاج.

في حين أن الإقلاع عن التدخين هو أفضل شيء يمكن للمريض القيام به من أجل صحته، إلا أن القيام بذلك أثناء تناول أدوية طويلة الأمد يتطلب إشرافاً طبياً. فعندما يتوقف الشخص عن التدخين، تعود إنزيمات الكبد “النشطة للغاية” إلى سرعتها الطبيعية، وإذا لم يتم تعديل جرعة الدواء وتخفيضها، فقد يرتفع تركيز الدواء في دم المريض فجأة أو بقاءه في الجسم لفترة أطول مما قد يؤدي الى مضاعفة مفعول الدواء وربما التسمم به.
رغم ذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الإقلاع عن التدخين يحسن نتائج العلاج ويزيد فعالية الأدوية في العديد من الأمراض، لذلك، يجب على المرضى دائماً إبلاغ الطبيب أو الصيدلي عند الإقلاع عن التدخين.

ختاماً يرجى تذكر أن التدخين ليس فقط سبباً للأمراض، بل هو أيضاً عائق أمام نجاح العلاج. فهو قد يقلل بصمت من فعالية الأدوية التي يعتمد عليها المرضى يومياً. فإذا كنت مدخناً وتتناول أدوية، فإن الإقلاع عن التدخين قد يكون من أهم الخطوات لتحسين نتائج العلاج. استشر طبيبك أو الصيدلي لمراجعة أدويتك وتقديم المشورة بشأنها وتعديل الجرعات عند الحاجة لضمان علاج آمن وفعال وكذلك للحصول على الدعم اللازم للإقلاع عن التدخين، فهذا لا يحمي حياتك فقط، بل يساعد أيضاً أدويتك على العمل بكفاءة كما ينبغي.

* أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .