تعقيبًا على المقالة السابقة حول تراجع الدور الأوروبي على الصعيد العالمي، ودخول الكيان الأوروبي مرحلة ما بعد التاريخ، قال الصديق: إن كنا ندرك بأن الدور الأوروبي قد تراجع ضمن دورة التاريخ من التقدم إلى التراجع، فإنه ليس من الواضح كيف تكون متجهة إلى مرحلة (غير تاريخية) مثلما جاء في المقالة؟
قلت للصديق: عندما تكون الرؤية “غير تاريخية” يعني أنها لم تعد تؤمن بالصراع الوجودي والآيديولوجي كوسيلة للتطور، بل تؤمن بالاستقرار والدعة والسلام هدفا وبالتفاوض والحوار أسلوبًا، وعندما يُقال إن الرؤية الأوروبية لم تعد تاريخية يعني أنها استقرت على نموذجها النهائي (الديمقراطية الليبرالية ودولة الرفاه) ولم تعد تسعى لتغيير العالم عبر الثورات أو الحروب، فالرؤية الأوروبية تحولت بعد انتهاء الحرب الباردة إلى إدارة بيروقراطية للحياة العامة (الاقتصاد، القوانين، المعايير البيئية، الرفاه والصحة والترفيه...)، إلى درجة أن السلطة السياسية فد تحولت في معظم الأحيان إلى ما يشبه المجالس البلدية للمدن الكبرى، لإدارة شؤون الحياة العامة. وهذا يعني تحول السياسة من المعارك الآيديولوجية إلى إدارة للشأن العام بالدرجة الأولى، من خلال التعظيم للكفاءة والخبراء والتكنوقراط، لحل المشكلات الاقتصادية وتحسين الخدمات للجمهور. وهذا ما نراه اليوم منعكسًا على صورة معظم الأحزاب الأوروبية وعلى صورة معظم القيادات والنخب السياسية الأوروبية الحالية.
إضافة إلى التوسع في استخدام “القوة الناعمة” بدلًا من ممارسة القوة الغاشمة للتأثير في مجرى التاريخ، عكس الولايات المتحدة الأميركية التي لا تزال تستثمر القوة العسكرية والاقتصادية لإحداث هذا التغيير والتأثير. حيث تؤمن أوروبا بأن العالم سيتبع نموذجها تدريجيًّا عبر التجارة والقيم الإنسانية، وليس عبر العنف والحروب. النزعة القومية: العودة إلى القرارات الوطنية المستقلة (خاصة في ملفات الدفاع والتسلح) بدلًا من التعاون الجماعي، مما يهدد وحدة المشروع الأوروبي. ولعل هذا ما يبرر تصاعد النزعات القومية واليمينية الشعبوية التي تدعو إلى استعادة (المجد الوطني) واستقلال القرار الوطني.
قال الصديق خاتما هذا النقاش: أنا أرى المشكلة منعكسة على الإنسان الأوروبي بشكل أكثر وضوحًا، وما أصابه من تحول وهو يعيش في مرحلة من الرفاهية والاستهلاك، لكنه بدأ يفقد الروح والحافز الذي يدفعه للنضال من أجل القضايا العادلة، مفضلا النزعة الفردية والخلاص الفردي، لأن كل شيء أصبح مستقرًّا وربما حتى مملًّا، مثلما تؤكد بعض الدراسات.
كاتب وإعلامي بحريني