كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن تراجع للدور الأوروبي في العالم على الأصعدة كافة، وبينت الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران ليس ضعف أوروبا فحسب، بل إنها أيضًا تعيش خارج التاريخ الحيّ، بافتقارها - بالرغم من رصيدها التاريخي والثقافي والعسكري الكبير - الإرادة السياسية للتأثير على ما يحدث في العالم من تحولات. فالرؤية الأوروبية لم تعد “تاريخية”، بالمعنى الذي قصده فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ: أن “أوروبا دخلت مرحلة ما بعد التاريخ”، لأنها تفتقر لإرادة سياسية موحدة ولجيش موحد وقرار مركزي مجمع عليه.
ومن سمات هذا التراجع إضافة إلى “الشيخوخة الديموغرافية” التي تؤثر على حيوية الاقتصاد والمجتمع يمكن أن نذكر بــ:
- التراجع الاقتصادي والفجوة التكنولوجية مع أميركا والصين في مجالات الصناعة والاتصالات والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة.
- استمرار الاعتماد شبه الكلي على المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية. ما يعزز تبعيتها وتحولها التدريجي إلى “ساحة صراع” بين القوى بدلًا من أن تكون قطبًا يقود هذا الصراع أو يؤثر فيه على الأقل. وخلال المواجهة الأميركية الإيرانية الأخيرة بدا معظم الزعماء الأوروبيين في موقف صعب، فهم يعارضون التصعيد العسكري خوفًا من موجات اللجوء وقطع إمدادات الطاقة، لكنهم في ذات الوقت يبدون عاجزين عن تقديم أي بديل أمني أو دبلوماسي أو حتى تفاوضي مستقل.
- صعود اليمين المتطرف في معظم البلدان الأوروبية وفي المقابل، حيث انتقل هذا اليمين من الهامش إلى قلب مراكز صنع القرار. بما يعكس تراجعًا ملحوظًا للقيم الليبرالية التحررية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
إن أوروبا لم تمت مثلما تحدث عنها كتاب “انتحار الغرب” المثير للجدل لريتشارد كوك وكريس سميث، لكنها تحولت عمليًّا من قوة مركزية فاعلة ومؤثرة تحدد قواعد اللعبة إلى مجرد “تكتل إقليمي، معني بالدرجة الأولى بالحفاظ على “الحديقة المثمرة”، برفع أسوارها وحماية حدودها الداخلية فقط. وإذا استمر العجز عن بناء جيش موحد واستمر الارتهان للقرار الأميركي وفقدان الإرادة السياسية المستقلة، فإن هذا الكيان الأوروبي كمركز ثقل عالمي سيمضي في التراجع، لصالح نظام ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب لا تشكل أوروبا مركزه في جميع الأحوال.
كاتب وإعلامي بحريني