العدد 6383
الإثنين 06 أبريل 2026
الإبداع في زمن متغير
الإثنين 06 أبريل 2026

من الواضح أن التحولات البنيوية الراهنة مست التكوين الثقافي العربي، ومن الطبيعي أن يُحدث ذلك اهتزازات وتبدلات في الرؤى والمواقف وفي الأنماط الفكرية والثقافية والفنية. فمفهوم الثقافة نفسه آخذ في التغيّر، وفي بلورة رؤية تختلف عما عهدناه في السابق. حيث قام مفهوم الثقافة في الماضي على قاعدة الكتاب، وارتبطت الثقافة العربية بسلطة الكتاب، وساد هذا المفهوم طويلًا، وارتبط وعي جيل الثقافة عبر الكتاب بإدراك الثقافة في أجناسها المحددة، وعبر قنواتها المألوفة فقط. ولذلك عندما كنا نتحدث عن الشعر مثلًا، كان علينا إحصاء الدواوين المنشورة، وعندما نتحدث عن القصة كان علينا أن نحصي أعداد القصص والروايات وأنماطها الفنية وأعداد القصاصين والروائيين. ولكن المشكلة أننا ما زلنا إلى اليوم نبحث عن هؤلاء داخل قوالب ومفاهيم وأسس ثقافة تغيّرت.
على صعيد الشعر مثلًا، فإننا نظفر بصعوبة على نصوص شعرية جديدة تمامًا يمكن أن تشدنا من خارج السياقات المعتادة مهما حدث من تحولات بنيوية في الشكل، ربما باستثناء تجارب قليلة لأنها متجددة بطبيعة تكوينها: فقد انفتح النص الشعري منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي على جميع الفضاءات والأجناس الأدبية، ثم تشظّى في جمل شعرية متوترة في عدد كبير من الفنون الأخرى، كاللوحة التشكيلية والخط العربي والرواية والقصة والمسرح والسينما، حتى بعض النقد الأدبي صار أقرب في بعض الأحيان إلى النصوص الإبداعية. لم يبقَ اليوم من الشعر الذي نتحدث عنه إلا القليل، بعد انتهاء مرحلة الأمسيات الشعرية التي كانت معهودة في القرن العشرين، وتجمع الجمهور وتجلب التصفيق. ولعل هذا التحوّل استشعره، بشكل مبكّر بعض الشعراء مثل قاسم حداد عبر الاستفادة من التحول الرقمي.
فالشاعر يكتب عمله ويخرجه وينشره. إنه نوع من الاكتفاء الذاتي إبداعيًّا عبر التكنولوجيا الرقمية.. كما أن الجمهور بالمفهوم التقليدي بدأ يتراجع، ويتحول إلى الشكل الافتراضي.
وباختصار لم تعد الكلمة المكتوبة (شعرًا ونثرًا) لوحدها قادرة على الوصول بذلك الاطمئنان القديم وبتلك الهالة السابقة، إذ أسهمت التكنولوجيا في طي صفحة الكتاب الورقي وفي تغيير اتجاهات الإبداع بشكل عام، فانتهت الحواجز النقدية على النص، فأصبح الكل يكتب وينشر من دون حدود أو قيود، وأصبح مصطلح الشعر ومفهوم الشعر ومفهوم القصّ يُعاد النظر فيه بشكل مضطرد، في ضوء التحولات التي تكاد تنسف كل شيء تقليدي مستقر تقريبًا.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية