لم تعد الحرب في الشرق الأوسط، في الحسابات الإندونيسية، أزمة بعيدة عن الأرخبيل، فمع هدنة أميركية - إيرانية هشة، ومقتل ثلاثة من جنودها ضمن قوات “اليونيفيل” في لبنان، بدا أن آثار الصراع وصلت إلى الداخل، فلم تعد الحرب مجرد جغرافيا، بل أصبحت تكلفة محسوسة تُقاس بالوقود والسفر والميزانية.
وبما أن الكلفة تظهر أولاً في الطاقة، اتجهت جاكرتا إلى تأمين واردات النفط الخام، بعدما كان نحو 20 % منها يأتي سابقاً من الشرق الأوسط، فأعدّت ترتيبات بديلة طويلة الأجل مع دول مثل أنغولا ونيجيريا. وعلى المسار ذاته، أعادت توجيه جزء من واردات الغاز النفطي المسال بعيداً عن المنطقة. بهذا المعنى، لا تعلن إندونيسيا قطيعة، بل تمارس حذراً عملياً يوزع المخاطر قبل أن تتسع.
وإذا كان توزيع المخاطر خارجياً يخفف الانكشاف، فإن امتصاص الصدمة في الداخل فرض على الحكومة أدوات تقشف واضحة، من العمل من المنزل يوم الجمعة إلى خفض الرحلات الرسمية الداخلية 50 % والدولية 70 % وتقليص استخدام المركبات الحكومية، مع إعادة توجيه الإنفاق إلى مجالات أكثر إنتاجية، وهنا لا يبدو الترشيد إجراءً إدارياً فقط، بل خياراً سياسياً لضبط المزاج الاجتماعي تحت الضغط.
وعلى هذا النحو، تمتد آثار الحرب إلى التجارة أيضاً، فالشرق الأوسط يستوعب قرابة 3.5 % من صادرات إندونيسيا، بما يناهز 9.87 مليار دولار، لذلك تتحرك وزارة التجارة الإندونيسية نحو تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على مناطق محددة، مستفيدة من دروس كوفيد-19 التي أظهرت كيف تعيد الأزمات رسم خرائط التجارة بسرعة.
ومن التجارة تمتد الكلفة إلى السياحة، حيث حذّرت الحكومة من خسائر تتراوح بين 48.3 و56.5 تريليون روبية، أي نحو 3.1 إلى 3.6 مليار دولار، بعد إلغاء 770 رحلة خلال شهر واحد وفقدان أكثر من 60 ألف سائح، في ظل ارتفاع النفط من 70 إلى 100 دولار للبرميل وما تبعه من زيادة في أسعار التذاكر، لتغدو الأرقام دلالة على تآكل الطلب وتراجع الثقة في السفر.
هنا تتضح الصورة الكلية، إذ خفّض البنك الدولي توقع نمو إندونيسيا إلى 4.7 % في 2026، مقارنة بـ4.8 % سابقاً، بفعل صدمة الطاقة وارتفاع المخاطر العالمية، ما يعني أن الاقتصاد لم يفقد توازنه بعد، لكنه لم يعد محصناً كما كان.
وفي ضوء ذلك كله، تكشف إندونيسيا للخليج حقيقة لا تظهر بوضوح إلا في لحظات الاضطراب، وهي أن قيمة الاستقرار لا تُقاس بما يُرى فقط، بل بما يمنع وقوعه من فوضى أوسع. هكذا تقرأ جاكرتا اقتصاد الحرب، لا كصدام عسكري بعيد، بل كقوة خفية تعيد ترتيب الواردات وتضغط الإنفاق.
من هنا، يصبح الخليج أكثر من مصدر للطاقة، بل ركناً خفياً في التوازن الاقتصادي والاجتماعي لدول آسيا والعالم، لأن استقراره يمتد من الأسواق إلى النمو والمعيشة والثقة العامة.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور