كضيفٍ غير مرئي يعبر من مضائق بعيدة إلى موائد قريبة، يزور قلق الحرب عيد الفطر في جنوب شرق آسيا والعالم الإسلامي على نحوٍ مختلف هذا العام. ففي وقت تعيش فيه المجتمعات المسلمة أجواء الاحتفال، وتتعالى التهاني وتزدحم البيوت بالزيارات، يتسلل في الخلفية قلقٌ صامت قادم من جغرافيا الحرب في الشرق الأوسط، عبر أسعار الطاقة وحركة التجارة واضطراب سلاسل التوريد.
لم يعد القلق محور النقاش بقدر ما أصبحت كيفية احتوائه أولوية. فقد أدركت حكومات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) انتقال آثار الحرب عبر أسواق الطاقة، فطورت أدوات جماعية لحماية أمن الطاقة، واتفق وزراء اقتصادها مؤخرا على تسريع آلية تقاسم النفط والغاز ضمن “اتفاقية أمن النفط”.
وتواجه آسيان، التي تضم نحو 700 مليون نسمة باقتصاد يبلغ 3.8 تريليون دولار، معادلة معقدة بين اعتمادها على الطاقة المستوردة وتصاعد الاضطرابات، إذ تتيح هذه الاتفاقية للدول الأعضاء دعم أي دولة ينخفض لديها إمداد الوقود بنسبة لا تقل عن 10 % ولمدة 30 يوماً متواصلة.
في هذه الحالة، يمكن للدولة المتضررة طلب الدعم عبر “مجلس آسيان للبترول”، لتأمين احتياجاتها ضمن ترتيبات تجارية “بروح المساعدة”. ومع ذلك، لا تزال آليات تنفيذ الاتفاقية محل تباين بين الدول الأعضاء، فيما يبقى منطق السوق حاكماً.
وفي المقابل، تفتح هذه الاتفاقية أفقاً لشراكات أعمق بين آسيان ودول الخليج، تتشكل عبر عقود إمداد طويلة الأجل واستثمارات مشتركة في التخزين الاستراتيجي والموانئ والبنية التحتية اللوجستية، بما يدفع بالعلاقة من تبادل تجاري إلى تكامل فعلي في إدارة منظومة الطاقة.
ويعزز ذلك موقع دول الخليج كمورد رئيسي موثوق لأسواق آسيان، في ظل تسارع الطلب على الطاقة في جنوب شرق آسيا وتجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين 120 مليار دولار، ما يرسخ شراكات طويلة الأجل قائمة على الاستقرار والثقة.
ومع ذلك، لا تبقى تداعيات الحرب محصورة في قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الحياة اليومية، حيث ترتفع تكاليف النقل والغذاء وسلة الاستهلاك الأساسية، ما يدفع الحكومات إلى تبني تدخلات مالية وتنظيمية لتخفيف الأعباء المعيشية والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
لذا، لا تعني “اتفاقية أمن النفط” في آسيان اختفاء أثر الحرب، بل احتواءه عبر آليات محددة، كتقاسم الإمدادات، وتفعيل التنسيق، وإتاحة طلب الدعم عند حدوث نقص في الوقود. غير أن هذه الآليات تظل مقيدة بطبيعة العقود طويلة الأجل وتسعير السوق العالمية، ما يحدّ من قدرتها على خفض الكلفة الفعلية.
وعلى وقع هذه الضغوط، يستمر العيد هذا العام حاملاً مزيجاً من الفرح والحذر، إذ لا تبقى الأزمات البعيدة مجرد أخبار عابرة، بل تتحول إلى تأثيرات ملموسة في الحياة اليومية، بما يعكس هشاشة التوازن بين الاستقرار الاقتصادي وتقلبات الطاقة.
عيدكم سلام رغم قلق الحرب.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور