تُظهر الأزمات الجيوسياسية أن الاقتصاد العالمي شبكة مترابطة؛ فإذا اختنق أحد شرايينها ارتجف الجسد كله. وفي هذا السياق بدت دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) وكأنها تسمع دويّ الخليج، بعدما عبّر وزراء خارجيتها عن قلق عميق من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط عقب الضربات الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، وما أعقبها من هجمات إيرانية طالت البحرين والسعودية والإمارات وقطر وعمان والكويت والأردن وسوريا.
بالنسبة لدول آسيان، لم تكن هذه التطورات مجرد مواجهة عسكرية بعيدة، بل بدت كأنها ارتدادات قوية تصل إلى الضفة الأخرى من آسيا، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تعطل الملاحة في الخليج واحتمال إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
ومن هنا يمكن فهم أن البيان الآسياني لم يكن سياسيًّا فقط بل اقتصاديًّا أيضًا. فاقتصادات آسيان التي يتجاوز ناتجها الإجمالي نحو 3.8 تريليون دولار تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج. ودول مثل ماليزيا وإندونيسيا وتايلند وفيتنام تستورد جزءًا مهمًّا من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة، كما تمر نسبة معتبرة من التجارة العالمية عبر الممرات البحرية التي تربط الخليج بمضيق ملقا، أحد أكثر طرق الشحن ازدحاماً في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وأسعار النفط والشحن، وهي عوامل تنتقل بسرعة إلى اقتصادات جنوب شرق آسيا عبر التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ولا يقف هذا الترابط عند حدود الطاقة والتجارة فقط، بل يمتد إلى البشر أنفسهم. فملايين العمال من إندونيسيا والفلبين وماليزيا يعملون في دول الخليج، وتشكل تحويلاتهم المالية أحد أعمدة الاقتصاد في بلدانهم. وتشير بيانات البنك المركزي الفلبيني إلى أن تحويلات العمال تجاوزت 35 مليار دولار عام 2025، جزء مهم منها يأتي من دول الخليج. لذلك شدد بيان آسيان على أهمية تنسيق المساعدات القنصلية لرعاياها في الأزمات، لأن أي اضطراب أمني في الخليج قد ينعكس مباشرة على حياة ملايين الأسر في جنوب شرق آسيا.
ومن هذا المنظور تبدو دعوة آسيان إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحوار أقرب إلى قراءة اقتصادية واقعية منها إلى خطاب دبلوماسي تقليدي. فهذه الكتلة التي تضم إحدى عشرة دولة تدرك أن استقرار الخليج لم يعد شأنًا يخص الشرق الأوسط وحده، بل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، حيث تتشابك أسواق الطاقة والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد العابرة للقارات، حتى باتت آسيان تسمع دوي الخليج في حسابات الاقتصاد قبل السياسة.
تكشف هذه التطورات حقيقة أن ما يحدث في الخليج لا يبقى داخله. فاهتزاز المنطقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من نفط العالم وتجارته ينعكس سريعًا على دول آسيان، وقد تمتد ارتداداته عبر سلاسل التجارة والطاقة لتصيب الاقتصاد العالمي.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون
منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور