العدد 6374
السبت 28 مارس 2026
انفتاح سنغافورة على محك صدمات الحرب
السبت 28 مارس 2026

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط بعيدة عن سنغافورة، بل غدت عاملاً يومياً يعيد تشكيل نموذجها الاقتصادي القائم على الانفتاح، الذي يقف اليوم على محك صدمات الحرب، إذ يرتكز على التجارة والطاقة والمال، ويواجه اختباراً قاسياً يتمثل في قدرة اقتصاد يعتمد على الخارج في الصمود حين يتحول هذا الخارج ذاته إلى مصدر اضطراب، وهنا تنكشف حدود نموذج طالما قُدِّم بوصفه تجربة رائدة.

تشير هيئة النقد السنغافورية أن حجم التجارة يتجاوز 300 %  من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن الاقتصاد السنغافوري ليس منفتحاً فقط، بل متداخل عضوياً مع الاقتصاد العالمي. ومع كل اضطراب في الشرق الأوسط -حيث تمر نحو 20 %  من إمدادات النفط العالمية- تنتقل الصدمة مباشرة إلى سنغافورة عبر الطاقة والتجارة.

تستورد سنغافورة أكثر من 95 % من احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها شديدة التعرض لتقلبات السوق العالمية. ومع تجاوز النفط 100 دولار للبرميل، ترتفع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تأكيد إعادة تقييم توقعات 2026 للنمو 2 %–4 % إذا استمرت التوترات، في إشارة إلى أن الصدمة لم تعد محتملة بل مؤثرة فعلياً على التقديرات الاقتصادية.

وهكذا، تتسع دائرة التأثير عبر سلاسل الإمداد، فسنغافورة ليست اقتصاداً إنتاجياً تقليدياً، بل مركزاً لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية. ومع اضطراب الشحن العالمي وارتفاع تكاليف التأمين، تشير تقديرات القطاع إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 14 يوماً، ما يرفع التكاليف ويقلل الكفاءة، وينعكس مباشرة على نشاط الموانئ والخدمات المرتبطة بها، وهي من ركائز الاقتصاد السنغافوري.

كما تواجه سنغافورة ما يُعرف بـ”التضخم المستورد”، حيث ترتفع الأسعار نتيجة زيادة كلفة الواردات. وتشير البيانات إلى أن التضخم المتوقع في 2026 يتراوح بين 1 %  و2 %، مع مخاطر تصاعدية مرتبطة بأسعار الطاقة، ما يحوّل الحرب إلى ضغط مباشر على معيشة الأفراد.

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود سنغافورة، بل ترتبط مباشرة بمصدر الطاقة نفسه. فقد ارتفعت أقساط التأمين البحري في الخليج من نحو 0.25 %  إلى ما يصل 1 %–3 % من قيمة السفينة، فيما قفزت كلفة استئجار ناقلات النفط إلى نحو 800 ألف دولار يومياً ، مع رسوم إضافية على الشحن تتراوح بين 1500 و3000 دولار للحاوية، ما يعني أن اضطراب الطاقة لا يرفع الأسعار فقط، بل يعيد تشكيل كلفة التجارة العالمية بأكملها.

لقد كشفت تجربة سنغافورة أن الانفتاح الاقتصادي ليس ضمانة دائمة، بل معادلة دقيقة تتبدل مع تغير العالم، إذ يقف اليوم في مواجهة صدمات الحرب واختبار قدرته على الصمود. فحين تتجاوز التجارة حجم الاقتصاد وتعتمد الدولة على مصادر طاقة خارجية، تتحول القوة إلى هشاشة كامنة، ويصبح التحدي في امتصاص الصدمات والتكيف مع بيئة دولية غير مستقرة.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .