باءت محاولات جر دول مجلس التعاون الخليجي إلى المواجهة الحالية بالفشل، وأظهرت هذه الدول حكمة وصبرًا استراتيجيين في التعامل مع العدوان الإيراني غير المبرر، ومحاولات جرها إلى مواجهة استنزاف شاملة. ولم يكن عدم الانجرار إلى هذه المواجهة تعبيرًا عن ضعف أو عجز، بل كان قرارًا استراتيجيًّا مدركًا لأبعاد هذه المواجهة العبثية ومخاطرها، وذلك حرصًا منها على المقدرات الوطنية وحماية للمكتسبات التنموية.
وفي هذا السياق يمكن التوقف عند أربع ملاحظات مهمة:
أولا: تدرك دول الخليج العربية أن استدراجها نحو حرب استنزاف طويلة هو هدف لبعض الأطراف لتعطيل مسيرة التنمية، لذلك اعتمدت دبلوماسية التهدئة مع استخدام القوة الرادعة من خلال امتلاكها قدرات دفاعية متقدمة، حيث أثبتت الوقائع أن تلك المنظومات الدفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات من الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية.
ثانيا: تبين أن الجبهة الخليجية موحدة في مواجهة المخاطر، وأن الخلافات الطارئة داخل المنظومة تختفي بمجرد أن تواجه مخاطر خارجية. وترجمة ذلك التنسيق السياسي والأمني والعسكري المشترك الذي لا يزال قويا في مواجهة التحديات الناجمة عن العدوان، إضافة إلى النجاح الدبلوماسي في وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما تتعرض إليه دول المجلس من عدوان.
ثالثا: تمكنت دول المجلس من تحويل التهديد المفروض عليها إلى فرصة لتعزيز السيادة الوطنية وتعزيز الشراكة الخليجية وتقليل الاعتماد على الحماية الخارجية وتنويع الشراكات مع القوى الدولية المؤثرة، وبدء العمل على إعادة هيكلة الأمن الإقليمي، وبدء التفكير حول تكثيف برامج توطين الصناعات العسكرية لتقليل الارتهان للخارج، والعمل على تعزيز الدفاع المشترك لحماية أمن واستقرار دول المجلس.
رابعا: الحاجة الماسة والملحة لتعزيز الجبهة الداخلية، ووضع استراتيجية وطنية طويلة المدى، لتعزيز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، بما يجعل الولاء للوطن قيمة مطلقة لا تقبل الاختراق أو المساومة، وهذا أمر يحتاج إلى نفس طويل وعمل كبير متعدد الأبعاد ومستدام.. وهذا يستوجب مشروعا وطنيا تعبويا يستنهض قوى المجتمع لمواجهة التحديات التي تستهدفه نتيجة التهديدات التي تسعى لزعزعة الاستقرار الوطني وتماسك المجتمع.
كاتب وإعلامي بحريني