في المطار يقف على مسافة مترين أو أكثر قليلًا ثلاثة مسافرين يتبادلون الحديث بفرح وسرور، تكاد ضحكاتهم تعلو على صوت يكرر بين الفينة والأخرى معلومات عن الرحلات القادمة والواصلة للتو والمتأخرة.
هؤلاء الثلاثة كانوا في تلك اللحظة في قمة فرح ظاهر، يعبرون عن نوع من سعادة بادية في عيونهم. تلك الضحكات المسرورة بمثابة الرّد التلقائي من الحياة على أي تشاؤم أو حزن أو غضب طارئ. هؤلاء لم يشغلوا أنفسهم بأسئلة وجودية، أو بما يرتفع حولنا من غبار أو بما قد يعصف بنا ويثير قلقنا.. لم يهتموا بما قد يعترينا من مشاعر حين نخاف أو حين نفقد عزيزاً.
نحن مازلنا نفرح لأبسط الأشياء، نفرح لسقوط المطر كالأطفال، ونفرح لمجرد وردة بيضاء تهدى لنا أو أمام مشهد الصحراء لحظة الغروب، ولن نعدد هنا أوجه الجمال والفرح أو نعم الله الكثيرة التي لن نستطيع أن نحصيها.. صحيح أن العديد من المشاهد في حياتنا تصطبغ بلون أسود.. تؤرق الأيام والليالي، لكن الكفة الأخرى للميزان حاضرة أيضًا، فلو بذلنا قليلًا من الجهد في البحث عن لحظة الفرح سنجدها بكل تأكيد. ففي الحياة نتأرجح بين حالات ومتناقضات. بين الفرح والحزن والسرور والأمل واليأس والغضب واللامبالاة... في لحظة ما ننجذب إلى إحدى تلك الحالات أو أكثر في آن. ولذلك يبقى التَّجوال بين عناوينها أمرًا إنسانيًّا طبيعيًّا. وقد تغلب حالة في لحظة، فتأسرنا، وقد تختلط الألوان فتولد حالات أخرى، نراها في الإبداعات الأدبية والتشكيلية، والموسيقية، وغيرها. فكأننا نعيش انفصامًا بين مكبلات الواقع وطاقة الدَّفع الكامنة في وجودنا الذاتيِّ والتاريخيّ.
ولذلك، نحتاج إلى صنع لحظة فرح من خلال الانخراط في مشروعات جماعية مجتمعية أو إنسانية كبرى، تحررنا من انسداد الأفق ومن الشعور باليأس والعزلة، خصوصًا أننا من جيل عايش انهيار المشاريع النهضوية الكبرى، على الصعيدين القومي والإنساني، وعاينا سيطرة ظلال باهتة لأوهام مشاريع ترجمتها خطابات النَّفعية الفردية أو الانتهازية الثقافية والحروب المفروضة علينا.
همس:
في غيابك الألوان غربة،
والأغنية أوتارها مشدودة.
النرجس في الطريق ليل.
ولهفتي المؤجلة
رحلة لا تنتهي.
كاتب وإعلامي بحريني