العدد 6355
الإثنين 09 مارس 2026
ظلال باهتة من الأوهام
الإثنين 09 مارس 2026

يزدهر خلال الأزمات سوق المزايدة وسوق النفاق، والسوقان كما علمتنا التجربة متداخلان، والمشتغلون في السوقين لا ينتظرون من المجتمع احتراما، ولا من التاريخ تقديرا، لأنهم يعلمون أنهم كائنات منبوذة، ولكنهم راضون بذلك مادام يحقق لهم الهدف المنشود وهو جني المكاسب الخاصة، وتزداد هذه الحالة قتامة إذا ما انخرط فيها المثقف، مزايدا أو منافقا أو مشتغلا في ثقافة الشتم السياسي، فيسهم في تزييف وعي الناس وقلب الحقائق أو في نشر ثقافة المدح المجاني.
إن المثقفين خلال الأزمات التي تشهدها المجتمعات يمكن تقسيمهم إلى فئات، منها على الأقل:
- مثقفون أقصوا أنفسهم أو تم إقصاؤهم، ففضلوا العيش فيما يشبه الزهد السياسي والزهد في كل شيء.
- مثقفون اعتادوا أن يكونوا واجهات دعائية، ويتنازل المثقف في هذه الحالة عن جدواه المعرفية، وقناعاته الفكرية، ليكون مجرد آلة منتجة للدعاية.
- مثقفون يعيشون في فقاعة ظلال باهتة لأوهام مشاريع وخطابات مفرغة من أية قيمة فكرية أو إنسانية، أدت في الغالب إلى الغرق في النفعية التي حولت عددا متزايدا من هؤلاء إلى مجرد فقاعات فارغة من أي مضمون فكري أو إنساني. فينخرطون في تشييد عالم من الأوهام والخواء، بدلا من العمل على إنارة الطريق بعيدا عن الغوغائية والنزعات التقسيمية التي تؤدي إلى تفكيك المجتمعات وضرب وحدتها المجتمعية. 
- مثقفون أخلصوا لأفكارهم التي آمنوا بها، والتي قد تتوافق مع الرؤية التي تتبناها القوى الحية من المجتمع والسلطات الرشيدة، من دون أن تكون مواقفهم تماهيا مطلقا معها، إنما يدافعون عن المشاريع الحضارية المنتجة للتقدم والتنمية.
ويقفون من الأخطاء موقفا نقديا صريحا من دون تحامل، بما يساعد على المراجعة والتصويب والتعديل، وهذا هو الدور الرئيسي للمثقف، المرتبط بمشروعات مجتمعية ووطنية وقومية وإنسانية، من موقع المسؤولية الفكرية، لا من موقع المنفعة الشخصية. فإذا انحسرت المشروعات الكبرى انحسر معها دور هذه الفئة من المثقفين، ولكنها لا تيأس، بل تواصل عملها في التنوير.
ليس المطلوب من المثقف أن يغير العالم، ولكن تبقى له وظيفة اجتماعية من خلال التزامه بالمساهمة الفاعلة في معالجة كبريات قضايا المجتمع ومحاولة إصلاحها بما يفيد المجتمع ويدفعه نحو الأفضل. والعمل على إنشاء قواعد عمل قائمة على أسس وطنية مدنية عقلانية وليس على أسس فئوية.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .