قال الصديق: ألا تلاحظ هذا الانتشار الغريب لظاهرة الادعاء في مجتمعنا. إذ كثر الأدعياء وتضخمت الألقاب، حتى صار الواحد من هؤلاء ينطبق عليه قول الشاعر السوداني محمد أحمد محجوب: “هذا زمانُك يا مهازلُ فامرحي... قد عُدّ كلبُ الصّيدِ في الفرسان”.
قلت للصديق: قد نكون من أكثر شعوب العالم ادعاء، على الرغم من فقرنا الشديد في معظم المجالات، ومن مظاهر هذا الادعاء توزيع الألقاب العلمية والفكرية والفنية بالمجان، وبلا حدود وضوابط: فهذا ملك الأغنية، وتلك امبراطورة المسـرح، وهذا جنرال الرواية، وهذا معجزة العصر في الرقص، إلى آخر الادعاءات الجوفاء التي لا تتطابق مع الواقع في شيء. ولو أن الأمر توقف عند هذا الحد من الدعاية الفجة لهان، ولكن المشكلة أنه تجاوز إلى وصف بعض الكتاب المبتدئين بالأدباء والمفكرين، فيطلق عليهم ألقابًا تفخيمية من نوع: الشاعر الكبير، والروائي الفذ، والناقد الجهبذ، من دون أن ننسـى إغداق لقب (فيلسوف) و(مؤرخ) على المشتغلين ببعض حقول المعرفة، مع أن المعلوم بالضرورة أن المشتغل بالفلسفة والأكاديمي المتخصص فيها لا يمكن أن يوصف بكونه فيلسوفًا لمجرد أنه أصدر كتابا مدرسا في هذا الحقل أو ذاك.. وكذا الأمر في سائر فروع المعرفة.
إن الفرنسيين، بالرغم من تعدد أسماء مفكريهم والباحثين في الفلسفة، يُعتبر آخر فلاسفتهم المعتبرين: رينه ديكارت وهنري برغسون. وربما كان الألمان أكثر الشعوب إنتاجاً للفلاسفة، من أمثال كانط وهيجل ونيتشه وإنجلز وماركس وشبنهاور وهايدجر وغيرهم. ومع ذلك لا يوجد لديهم مثل هذا الادعاء بين كتابهم وباحثيهم اليوم.. فالاشتغال بالفلسفة لا يصنع فيلسوفا، والاشتغال بالأدب لا يصنع بالضرورة أديبا.
لدينا بالفعل عدد من المشتغلين بالأدب والفكر والنقد من الذين أسهموا في تشكيل الفكر العربي الحديث والمعاصر، وأثروا الحركة الأدبية والثقافية، وهؤلاء يستحقون كل الاحترام والتبجيل بما قدموا وبما أبدعوا، أما إطلاق ألقاب التعظيم والتبجيل على من هبّ ودبّ، فهو عرض لمرض مستشـر. وهذا التضخيم للألقاب المزيفة، من شأنه تغذية الغرور لدى “المُلقبين”، وقد يهمش الكفاءات الحقيقية التي ترفض الدخول في سباق الألقاب الجوفاء.
هذه الفوضى تؤشر إلى اتساع رقعة التفاهة التي من خصائصها إهدار اللغة، وسيطرة الأدعياء والسطحيين والتافهين، والاستهانة بكل ما له قيمة في الحياة.
كاتب وإعلامي بحريني