العدد 6365
الخميس 19 مارس 2026
أقصر طريق إلى البلاهة
الخميس 19 مارس 2026

المواطنة البلهاء هي أن تعلن أنك لا ترى، لا تسمع، لا تتكلم، ثم تختفي في غرفة مغلقة مظلمة لمشاهدة المسلسلات والمباريات الرياضية عبر العالم، أو أن تمارس الموت الثقافي الرحيم.. للموت الثقافي الرحيم – لمن لا يعلم ذلك - وجوه عديدة منها:
- أن تختار الابتعاد عن شغل البال بالهموم الجماعية الوطنية والإنسانية، ومحو كل ما هو مؤلم من الذاكرة، بما في ذلك تاريخ الأوجاع المليء بالهزائم.
- أن تهرب من أي نشاط إبداعي أو ثقافي فردي أو جماعي، بما في ذلك حضور ندوات الثرثرة الثقافية، والمعارض التشكيلية، والحفلات الموسيقية، وربيع الثقافة. - أن تنغمس وراء الهوس الرياضي المحموم، ضمن سلسلة متصلة من المسابقات والمباريات عبر العالم تذكر بقصص السندباد البحري.. أو إدمان مشاهدات الغيبوبة ومقررات البلاهة العامة والخاصة. - أن تتجنب طرح الأسئلة الموجعة أو البحث عن أجوبتها في قاموس الفكر والسياسة والوعي بأزمتنا الحضارية، ولن يكون في وسعك حينها مقاومة النسيان والتغييب وإعادة بناء الذاكرة، كي يستقيم الموقف ويبطل الخلل، أو كسر الأغلال عبر أدوات المعرفة للوصول إلى الحرية.
- أن تمتنع عن الإدلاء بصوتك المحجوز سلفا للمرجعيات، ليكون عقلك غائبا إلى يوم يبعثون، أو في حالة صيانة مفتوحة، وأن يكون تفكيرك موكولا لغيرك على سلم الآيديولوجيات البائدة.
أما في حال الموت الثقافي غير الرحيم - لمن يفهم الأمور بأضدادها - نتذكر ما قام به أديب ومفكر عربي كبير مثل أبي حيان التوحيدي من حرق لكتبه آخر حياته، في لحظة غضب وشعور بالخذلان من مجتمع لا يعبأ بالعلم والثقافة.


يقول مبررا ذلك: “لقد شقَّ عليَّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشتمون بسهوي وغلطي (…) فكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة، فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، لقد اضطررت أنا بينهم بعد الشهرة والمعرفة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح، وإلى بيع الدين والمروءة، وتعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم”.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .