يتردد أن إيرنست رذرفورد، أحد أهم علماء الفيزياء في القرن العشرين كان مُعتَدًّا بنفسه. سبب ذلك الاتهام هو ما يُنسب إليه من قول: “كل العلوم إما فيزياء أو هواية جمع طوابع”. لا أعرف إنْ كان الرجل قد قال ذلك أم لا، لكنني وجدت أن كلاس بلومبيرغ من قسم الفيزياء النظرية، بالمعهد الملكي للتكنولوجيا، باستوكهولم قد أكَّد ذلك.
في كل الأحوال ليس هذا المهم، بل ما يهمنا هو أن نقول إن ذلك انتقاصٌ من علوم أخرى لا تقل أهمية عن الفيزياء. بل إن الفيزياء ذاتها كعلم لا يمكن أن يعمل بدون كيمياء، ولا رياضيات، ولا هندسة، ولا حتى فلسفة.
وبعيدًا عن المقارنات، أجد أن من العلوم التي لا تقل أهمية عن الفيزياء العلوم الاجتماعية، وتحديدًا الأنثروبولوجيا. ففي هذا النوع من العلوم يبرز ما هو أهم من الفيزياء؛ لأنك تدرس الفلسفة، والاقتصاد، والسياسة، والأدب، والدين، واللغة، والعادات، وكل شيء تقريبًا. باختصار هذا النوع من العلوم الاجتماعية يجعلنا نرى ذوات البشر – الذين هم ركيزة عمارة الأرض - كما هي وبدون رتوش. لذلك وُظِّفَت الأنثروبولوجيا في كثير من الأحيان لأغراض السيطرة. فقد كانت دراسات الشعوب الوجه الآخر لمشروع إنتاج المعرفة الاستعمارية كأداة لتوسع كولونيالي، وترسيخ هيمنته.
وقد اختصر خطاب كيرزون أمام مجلس اللوردات البريطاني في نهاية سبتمبر عام 1909م تلك الرؤية الاستعمارية عندما قال: “إن إلمامنا، لا بلغات شعوب الشرق وحسب، بل بعاداتهم ومشاعرهم وتقاليدهم وتاريخهم ودينهم، هو الأساس الوحيد الذي يُمكّننا من الحفاظ على المكانة التي أحرزناها”.
وسبق البريطانيين في ذلك البرتغاليون والفرنسيون في القرن السادس عشر، عندما جاء دوارتي باربوسا، وجان تافيرنييه ودَرَسَا الهند طولاً وعرضًا. هذا الأمر لا ينطبق على هؤلاء فقط، بل على كل القوى الاستعمارية الأوروبية التي هيمنت على آسيا وأفريقيا.
من هنا نقول إن الفيزياء ليست “سيِّدة” العلوم، بل هي “إحدى” تيجان العِلم، الذي يجب أن يتواضع الجميع في حضرته.
كاتب بحريني