عبثًا سألنا Chat GPT هذا السؤال الافتراضي: ماذا يفعل الأسد الجريح؟ ومما أجاب: 1- يصبح أكثر عدوانية، والألم يجعله أكثر توترًا. 2- يتجنب المواجهات الكبيرة، ويبتعد عن الصراعات مع الأسود الأخرى أو الحيوانات القوية. 3- يبحث عن مناطق أكثر أمانًا. 4- يقلل من الجهد في الصيد لضعف السرعة والتحمل. 5- لا يستطيع مطاردة الفرائس السريعة لمسافات طويلة. ومما لا شك فيه أن إيران هي الآن “أسد جريح” تفاقمت جراحه بعد هزيمة تابعه حزب الله في حرب إسناد غزة، وذلك إثر مقتل مرشدها والرجل القيادي الأول فيها - السيد علي خامنئي - في الضربات الأولى التي باغتت النظام فجر 28 فبراير الماضي، فيما كان وفدها المفاوض في جنيف يبدي تفاؤلاً بإحراز تقدم مهم في المفاوضات مع واشنطن. وقد لدغت طهران “المؤمنة” من جحرها مرتين خلال أقل من عام بخداع الرئيس الأميركي ترامب بالتظاهر بالتفاوض فيما هو يحضّر مع إسرائيل لهجوم مباغت صاعق عليها.
بيد إن ما تفعله الآن بحق جاراتها، دول الخليج العربي، من اعتداءات آثمة متواصلة تطال مطاراتها وفنادقها وموانئها وضرب مؤسساتها الاقتصادية بالمسيرات والصواريخ، لا مجرد القواعد الأميركية، لهو بعيد كل البعد عن قواعد “سلوك الأسد الجريح”. وما تدعيه بأنها لا تستهدف بهجماتها شعوب هذه الدول هو ادعاء باطل، ففضلًا عن ترويع الآمنين على مدار الساعة، فليس ثمة اقتصاد شعب في عصرنا مفصول عن اقتصاد الدولة التي يعيش في كنفها، فأنت إذا ما ضربت اقتصاد دولة ضربت قوت شعبها.
ولو أردنا ترجمة سلوك الأسد الجريح (إيران) في ميدان السياسة، كطرف معتدى عليه من قِبل التحالف العسكري الأميركي الإسرائيلي، فإن ذلك يعني بكل بساطة ما يلي: أن تتجنب طهران المواجهات الكبيرة التي تعيق حركتها، وعدم مناطحة الثور، وفق تعبير الكاتب الصحافي المصري محمد حسنين هيكل بعد هزيمة 1967 الماحقة، وذلك للاختلال الحاد في موازين القوى العسكرية بين إيران وبين الدولتين.
هل يعني ذلك أن تستسلم الأولى تمامًا وترفع الراية البيضاء أمام الحليفين المعتديين. حاشا ذلك معاذ الله، فلئن تفهمنا حقها في الرد على الطرف الإسرائيلي الأكثر شهوةً وتعجلًا للهجوم على إيران، فإن مثل هذا الرد ينبغي أن يكون مدروسًا بعناية، وأن يكون بموازاة تفعيل أقصى جهود دبلوماسية وسلمية ممكنة، على المستويين الإقليمي والدولي، إقليميًّا مع دول مجلس التعاون الخليج العربي في المقام الأول، فضلًا عن الدول العربية والإسلامية الأخرى، ودوليًّا الأمم المتحدة في المقام الأول ثم سائر المنظمات المعنية بالسلم العالمي والدول الرافضة لانفراد الحليفين المعتديين بالهجوم عليها خارج القانون الدولي. وللأسف فإن طهران لا تملك خبرات وتقاليد مديدة تؤمن بقيمة النضال الدبلوماسي، إذ ظل خطابها الثوري ردحاً من الزمن يستخف بجدواه.
لو فكرت طهران مليًّا في مساحة التحرك الدبلوماسي والسلمي المتاحة في يدها لاستفادت بهذا القدر أو ذاك من مستجدات المواقف الدولية الرافضة لهجوم الحلف الثنائي عليها، بل ومن التناقضات التي ظهرت في صفوف أعدائها الغربيين حلفاء واشنطن، بدءًا من أسبانيا التي أعلنت رفضها تقديم دعم لوجيستي للهجوم على إيران انطلاقًا من القواعد الأميركية فيها، ومرورًا بفرنسا وألمانيا اللتين أقرتا بأن الهجوم جرى خارج القانون الدولي، رغم تعاطفهما عمليًّا معه، وليس انتهاء بقوى ومنظمات السلم والبيئة العديدة في العالم، رغم ما تمر به حالياً من خفوت لأصواتها وتراجع في أدوارها.
والحال فلقد كان د. محجوب الزويري من أكثر المحللين المختصين بعمق بالشأن الإيراني تعبيرًا عما فعلت إيران بحق نفسها قبل جيرانها؛ جراء طيشها المنفلت من عقاله، إذ صرّح في قناة يوتيوب “عرب 48” بأن ما تفعله ضد دول الخليج العربي هو “خيارات انتحارية”، وأن الإيرانيين أشبه بمن يحرقون السفن مع دول الخليج (بمعنى وفق تعبيرنا الدارج تكسر مجاديفها). وهذه الدول لن تتعامل مع إيران -حسب تعبيره - بدرجة فيها نوع من الثقة والاحترام، حتى لو استمر النظام بعد الحرب وهو في أقصى ضعفه. مهما يكن فإن إيران ما بعد الحرب لن تكون بأي حال من الأحوال هي إيران قبل الحرب، ولن ينفعها ندمها بعدئذ في وقت لا ينفع فيه الندم بعد استنفاد الدروس التي لم تستفد منها قبلًا.
كاتب بحريني